الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تحديات أمام العراقيين .. ولديهم أمل

228 0 42
ينبغي على العراقيين في هذه اللحظة من تاريخهم أن يطرحوا كل المرارات ويضعوا مأساتهم خلفهم وأن يتطلعوا إلى الغد ويقوموا باكتشاف أشياء أخرى عن المستقبل، ويضعوا لأنفسهم أحلامًا وطموحات جديدة تدفعهم إلى الأمام، وأن يبدؤوا منذ الآن باتخاذ قراراتهم بأنفسهم لا أن يتخذها غيرهم بالنيابة عنهم. فاليوم يجود الزمن على العراقيين بهدية مختلطة بطعم المرارة والألم أعظم ما يمكن أن تُمنح لشعب وهي الأمل بأن يبدؤوا من جديد بناء وطنهم الذي دمرته عقود الطغيان والظلم والحروب.
لكن هذا الأمل مشوب بتحديات جمة سيكون عبورها بنجاح هو المعيار الوحيد لقدراتهم، ليس فقط على التعلم من دروس الماضي الأليمة، بل على إثبات كونهم بشراً قادرين على تخطي آلامهم والنهوض من رماد الحروب والفواجع والقهر، واستعادة ذاتهم الوطنية التي دمرتها سياسات العسف والتغريب.
الكاتب العراقي صلاح النصراوي، يلخص التحديات تلك (في مقال له في "الحياة" 11/5/03) في أربعة: تحدي الاحتلال، صنع الإرادة، التعاطي مع المشروع الأميركي بمنطق المصالح الوطنية، التفاعل مع الإقليم. وفيما يأتي التفصيل:

**من الكارثة إلى الإنجاز ***
من الطبيعي أن يكون أول تحدٍ يواجهه العراقيون هو تحدي الاحتلال لبلدهم؛ لأن الاحتلال مهما بدا مرحباً به، يقيم في مثل هذه الحال علاقات مركبة تتطلب توازناً في الرؤية مثلما يتطلب إدراكاً عميقاً يبتعد عن الاندفاع والمثالية. إن الدرس البليغ الذي على العراقيين أن يتعلموه في هذه المرحلة هو تجنب الوقوع في مهاوي دعوات كل طامع ومدعٍ، والنظر إلى المستقبل أولاً بمسؤولية وطنية، وثانياً في إطار التفاعل الحر والإيجابي مع الإنجازات العالمية وضمن الرؤية الحضارية الكونية والاعتماد المتبادل من دون تبعية.
على العراقيين أن يوجهوا اهتمامهم إلى صنع النتائج وجني ثمارها، وليس إلى فعل الاحتلال وأسبابه ومبرراته. فالاحتلال عابر والمغامرة الاستعمارية وهم، والتاريخ الحقيقي للانتصار لم يبدأ بعد، وجوهر الأمر ينبغي أن يكون قدرة العراقيين على استثمار الحدث وإدارته والانتقال من الكارثة إلى الإنجاز حتى يكون بإمكانهم استكمال هدم الطغيان.

**بين التبشير .. والرؤى الواضحة***
أما التحدي الثاني فهو التعاطي مع المشروع الأميركي على المدى الأبعد من حيث مدى توافقه مع الأهداف والمصالح الوطنية العراقية أو تعارضه معها. فما يقوله الأميركيون بخصوص الأخذ بيد العراقيين لتحريرهم من عبء الماضي القريب ومساعدتهم في بناء الديموقراطية كهدف نهائي يدخل في مجال "التبشير"، مهما حسنت نياته، ويبقى تحقيقه منوطاً بطرح رؤية واضحة وواقعية وقابلة للتطبيق، وبمنهج تفاعلي مرتبط بتوفر العناصر والموارد الخارجية والمحلية المختلفة. ما لا يقولونه يبقى الأهم، والحق الأكثر إثارة للقلق؛ لأنه يظل حتى الآن مشوشاً وغامضاً، أو طي الكتمان مما يعني أنه مثير للشكوك أيضاً.
ومهما تكن الرؤية الأميركية فعليها أن تبتعد عن عنجهية صناع الإمبراطورية وثقافة الانتصار وأن تكون متواضعة وبعيدة عن النمطية وغزل الأساطير، ومتوافقة مع الإمكانيات المتوافرة والحدود التي يرسمها الواقع للعراقيين للوصول إلى اختياراتهم الخاصة.
على الأميركان
أولاً: أن يتخلوا عن منهج الهندسة السياسية والاجتماعية الذي يروج له البعض من قادة الإدارة، والذين ينوون وضع العراق في مختبرات التجريب.
وثانياً: إبداء الصبر وبُعد النظر، والالتزام بتعهدات طويلة المدى تساعد على اتخاذ العراقيين قراراتهم بأنفسهم دون تدخل.
على الصعيد العراقي أثبت العراقيون في ردهم الجمعي والذي هو مزيج من الترحيب والحماس، واللامبالاة، والرفض أنهم - رغم المحنة - أصحاب حضارة عميقة الجذور، وكبرياء، ومبادئ، وقناعات. والمطلوب الآن أن يقدموا مبادرات بناءة يفتحون بها فصلاً جديداً في تاريخ بلدهم الذي هو مهد الحضارة العالمية وموئلها الذي لا ينضب.

**صنع الإرادة***
ويشكل صنع الإرادة العراقية التحدي الثالث الذي يواجهه العراقيون في هذه المرحلة، والتي عليها سيعتمد تبلور المشروع الوطني الذي يجب أن يكون حجر الأساس في البناء الذي يحتاجه العراق للقطيعة ليس مع "الصدامية" وإرثها فحسب، بل مع التراث السياسي والاجتماعي الذي فرش لها طريقها إلى السلطة.
1- بناء الثقة:
إن أولى المهمات في هذا المجال هي ضرورة الابتعاد عن العنف بكل أشكاله، فالشعب الذي كان ضحية لبطش "الصدامية" لا يجب أن يخرج من بين صفوفه الآن من يدعون أنهم ما داموا قد عانوا فسيكون كل شيء مبررًا لهم. الطريقة الوحيدة لكسر دائرة العنف التي خلفها صدام هي البدء في بناء الثقة بين أبناء العراق جميعهم، وإيجاد الأرضيات المشتركة، وخلق ثقافة التفاوض والوصول إلى حلول سلمية للمشاكل العالقة.
2- الابتعاد عن السلبية:
ثاني المهمات هي الابتعاد عن السلبية التي حاول صدام أن يغرزها عبر التزييف الأيديولوجي وعمليات غسل الأدمغة كهوية أو نمط حياة، وبالتالي كوسيلة لسلب السلطة والإمساك بها. فاليوم وفي ظل التغير الشامل، حاجة العراقيين هي أشد إلى الإحساس بالمسؤولية والمشاركة الفاعلة في عملية اتخاذ كل القرارات التي تهم مصيرهم، والانخراط الإيجابي في العملية السياسية الجارية، ومن دون ذلك فإن البيئة ستكون مواتية مرة أخرى إما للفوضى التي سيستغلها أصحاب العضلات الأقوى، والنفوذ الأوسع، والصوت الأعلى للانفراد والهيمنة، أو لنخب متسلقة ومنعزلة عن مساحاتها الاجتماعية ومشكوك في شرعيتها لكي تستثمر الاحتلال وتسعى في الحصول على رعايته وحمايته وتعظم من الموارد التي تتيح لها تدعيم مركزها السياسي والاقتصادي.

**التفاعل مع الإقليم***
ورغم أن التحديات الثلاث هي أخطر ما يواجهه العراقيون في هذه المرحلة التي تتصف بالسيولة والاضطراب الداخلي، فإن التحدي الرابع المتمثل في التفاعل مع الإقليم لا يقل أهمية، ولا ينفصم عن العملية الجارية. فلقد أدخل الاحتلال العراقَ في مرحلة جديدة أصبحت فيها آفاق المستقبل مفتوحة على شتى الاحتمالات، والتي ستتبين قريبًا وفق الطريقة التي سيحسم فيها العراقيون خياراتهم الكبرى مما سيترك بصماته الواضحة على الوضع الإقليمي.
إن قائمة العناصر التفاعلية طويلة ومتشعبة تبدأ من الوضعين الشيعي والكردي، وتمر بالنفط ومعادلات الأمن والاستقرار في المنطقة، وبمستقبل الصراع العربي الإسرائيلي، وتنتهي باستحقاقات التغير السياسي في المنطقة التي أنضجها الحدث العراقي.
إن لكل واحد من هذه العناصر تأثيراً هائلاً على الطريقة التي ستظهر فيها المنطقة لاحقا، سواء على مكانة الدول الحليفة لاميركا مثل تركيا وإسرائيل ومصر والأردن والسعودية، أم دول أخرى تمر في مرحلة تغيير اتجاه البوصلة مثل سوريا وإيران.

**الصراع الأكثر أهمية***
وإذا كان التدخل الأميركي قد أدخل المنطقة في صدمة وذهول فإن الأداء الأميركي والنموذج العراقي المأمول سيحسمان إذا كان هذا التدخل سيؤدي إلى بناء دولة حديثة تصبح قوة مثالاً في المنطقة وخلق واقع جديد فيها، أم أنه سينتهي مثل نهاية أي استعراض أخرق للقوة أو مغامرة فاشلة مثل تلك التي جرت في أفغانستان والصومال.
التيارات صاحبة المصلحة الحقيقية في التغيير في دول الإقليم، خصوصاً إيران والدول العربية، لم ترفع صوتها بعد ولكنها تنتظر فرصة نجاح التجربة العراقية لتقول كلمتها ، غير أن التيارات المتسلطة سواء التي في السلطة أم التي تكمن للانقضاض عليها هي التي كشفت سريعا عن رفضها المكبوت أو حتى كشرت عن أنيابها في أن ترى هذه التجربة توأد في مهدها.
إن فكرة التغيير الديموقراطي في المنطقة التي أطلقتها الحرب على نظام صدام، ومهما تكن درجة صدقيتها أو إمكانات تحقيقها في المديين القريب والمتوسط لا بد أن تطلق صراعا بلا تردد وبلا هوادة. فصقور الإدارة الاميركية سيرون أن نجاح مخططهم في العراق يعني استخدام قوة الزخم التي ولدها لكي يكون محرضا أو محفزًا للتغيير في المنطقة. ولأن الهجوم أفضل وسيلة للدفاع، فإن الأنظمة والجماعات السياسية المهددة لا بد أن تسعى بالمقابل لإفشال المشروع العراقي وتقويضه قبل أن يرى النور، وذلك بأن تلغم طريقه بكل ما يمكن أن يفجره، ابتداء من المواقف التحريضية والتيئيسية وانتهاء بالتآمر المكشوف.
إن تجربة العراق منذ تأسيس دولته الحديثة عام 1921 وحتى الآن، تثبت أن هذا هو الصراع الأكثر أهمية للعراقيين الآن، وهو تحديهم الأكبر نحو إنجاز حريتهم وبناء بلدهم على أسس العقيدة والمواطنة الحقيقية والمشاركة والعدالة والمساواة والسلام.على العراقيين أن يثبتوا لأنفسهم وللعالم بأنهم بشر جديرون بما صنعوه بعد أن بدى مستحيلاً، وأنهم قادرون الآن على صنع الممكن، ولن يعودوا أبدا لا إلى وطن القهر والأحزان ولا إلى المنفى.

مواد ذات صلة



تصويت

تعددت أسباب انحراف الأبناء في عصرنا، برأيك ما هو أبرز هذه الأسباب؟

  • التدليل والترف الزائد.
  • العنف والقسوة.
  • أصدقاء السوء.
  • وسائل التواصل المفتوحة.
  • غير ذلك.