الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

من جماليات البيان النبوي

  • اسم الكاتب:
  • تاريخ النشر:13/08/2001
  • التصنيف:دراسات ومقالات
  •  
2518 0 564
عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( ثلاثة لا ترد دعوتهم : الصائم حتى يفطر ، والإمام العادل ودعوة المظلوم، يرفعهاالله فوق الغمام ، وتفتح لها أبواب السماء ، ويقول الرب : وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين )).
من الأحوال التي تتأكد فيها العبودية الخالصة لله (الدعاء) الذي يصدر عن إحساس الداعي بعجزه وحاجته إلى العطاء والنصرة ، ويصدر كذلك عن يقينه بقدرة خالقه المطلقة ، وعطائه الذي لا يحد ، والداعي حين يرفع يدي الضراعة إلى خالقه الكريم لا يرغب بشيء في ذلك الوقت رغبته في إجابة دعائه لينال ما يريد .
وفي هذا الحديث يكشف الرسول صلى الله عليه وسلم عن ثلاثة أحوال تتأكد فيها إجابة الدعاء، والكشف عن هذه الأحوال ليس هدفا مقصوداً لذاته ، بل يأتي حفزاً للنفوس كي تستبق الخيرات ، وتبصرةً للعباد كي يؤدوا الأمانة التي استرعاهم الله إياها، وصيانةً للسلوك من الزيغ والظلم ، ودفعاً للسلوى في نفس المرء حين يقع تحت وطأة الظالمين .
فدعوة الصائم الذي أمسك عن الطعام والشهوة ، ابتغاء مرضاة ربه ، ودعوة الإمام العادل الذي يراقب الله في جميع أمره ، ودعوة المظلوم الذي أقدم الظالمون على ظلمه ، كلها من الدعاء الذي لا يرده الله .
والحق أن بناء الحديث يتسم بالترابط والإحكام ، ففي قوله عليه الصلاة والسلام: " ثلاثة لا ترد دعوتهم " اجتذاب لأذهان السامعين، ودفع لهم إلى متابعة مكونات الحديث التي تكشف عن هؤلاء الثلاثة ، خاصة حين يرتبط ذكرهم بأمر تهفو إليه كل نفس وهو (إجابة الدعاء) ..
وفي بناء الفعل (تُرد) للمجهول تعظيم من شأن السميع المجيب سبحانه .
وتفصّل وحدات الحديث القول في أمر هؤلاء الثلاثة وهم : الصائم حال إمساكه عن الطعام والشهوة ، مما يبلور اطمئنان قلبه بالإيمان ، والإمام العادل الذي يجتهد في تحري العدل والقيام بحقوق العباد الذين أصبحوا أمانة في عنقه ، ودعوة المظلوم .
ومما يجذب الأنظار أن دعوة المظلوم مثار عناية خاصة في هذا الهدي النبوي : لذا استأثرت بصورة ممتدة تأخذ بالألباب ، إذ يتابع السامعون هذه الدعوة وهي تعلو صوب السماء، مرتفعة فوق السحاب ، وقد فتحت لها أبواب السماء، ليقسم خالق الكون سبحانه بعزته وجلاله لينصرن هذا المظلوم ولو بعد حين .
ومما يلحظ في هذه الصورة ـ كذلك ـ أنها تتكون من وحدات متصلة، تؤدي كل واحدة منها إلى تاليتها ، في أداء مناسب يطلعك على روعة البيان النبوي ، ومرد هذا الأداء المنساب أن عناصر الصورة كلها مستقاة من عالم السماء العلوي، مما يكشف عن هذه المنزلة الخاصة التي تستأثر بها دعوة المظلوم .
وإن القلوب لتخفق ، والنفوس لتوجل ، وهي تتابع أطراف هذه الصورة الممتدة التي بلغت ذروتها في هذا القسم الإلهي المهيب : "وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين" ، ومما يجذب الانتباه في هذا القسم: التأكيد الذي ظفر به فعل النصرة " لأنصرنك " وتنبهنا حتمية الإجابة على نحو ما يدلنا " ولو بعد حين"، فالنصرة واقعة حتما ، فإن لم يظهر ما يشير إلى حدوثها على الفور ، فالأمر ليس إلا وقتا يمر ، ثم يمنّ الله بنصر المظلوم .
والثمرة المرتجاة من هذه الصورة ـ بما يحيط بها من ظلال وجدانية ـ تتمثل في تخويف الظالمين من الاجتراء على ظلم العباد، فإن آنس المرء من نفسه قدره على ظلم الناس ، ثم جأر المظلوم بالدعاء ، فإن دعوته مستجابة حتماً .
يضاف إلى ذلك فائدة أخرى هي تخفيف المرارة التي تمتلئ بها نفوس المظلومين ، وتوجيههم إلى السلوك الرشيد الذي ينبغي عليهم اتخاذه ، وهو التوجه إلى الله بالدعاء الضارع .
  نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا أجر الصائمين القائمين ، وأن يعيننا على أداء ما استرعانا عليه من أمانات وحقوق، وأن يقينا الظلم ، وأن يصرف عنا الظالمين.

مواد ذات الصله



تصويت

يعاني العالم العربي اليوم من أوضاع خطيرة تهدد وحدته و استقراره، ترى هذا في كثير من بلدانه، برأيك ما هو أهم ما نحتاجه في هذه المرحلة للخروج من هذه الأزمات الخطيرة ؟

  • ثقافة التسامح و العيش المشترك.
  • القضاء على الفساد والاستبداد.
  • الحرية و العدالة الاجتماعية.
  • نبذ الخلاف والطائفية والحزبية.
  • كل ما سبق.

الأكثر مشاهدة اليوم

دراسات ومقالات

الضحك ..

عجب أو دهشة تعتري النفس نتيجة إدراك المفارقة في حال أو مقال أو صفة.. حتى إذا كانت تلك المفارقة مفتعلة أو مبتذلة كان الحاصل أنها - وإن دعي ضحكًا - سفهًا وخفة. وإن كان الإدراك عصيًا أو غير كامل لم يكن الواقع ضحكًا بل تضاحكًا..أما...المزيد