الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

شبهة لغوية حول قوله تعالى: {حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم}

شبهة لغوية حول قوله تعالى: {حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم}
  • اسم الكاتب:
  • تاريخ النشر:28/02/2007
  • التصنيف:شبهات لغوية
  •  
4803 0 902

شبهة لغوية قرآنية أخرى نقف عندها في هذا المقال، أثارها من لا علم له بلسان العرب، ولا فقه له بأسرار لغتهم، تلك اللغة التي اختارها سبحانه لتكون لغة القرآن الكريم، أصدق كتاب عرفته البشرية منذ فجر تاريخها، وسيبقى كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. 

تنصبُّ هذه الشبهة اللغوية حول قوله تعالى: {هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة} (يونس:22) وموضع الشبهة في الآية -كما يخيل لأصحابها- هو استخدام أسلوب الخطاب أولاً، في قوله سبحانه: {حتى إذا كنتم} ثم استخدام أسلوب الغيبة في قوله تعالى: {وجرين بهم} قبل أن يتم المعنى؛ وكان المتسق والمتفق -وفق زعمهم- أن يستمر الأسلوب على خطاب المخاطب من غير التغيير إلى أسلوب الغيبة، حتى يتم المعنى!!

ولا شك، فإن مثيرو هذه الشبهة ومن رأى رأيهم، وسلك نهجهم، ليسوا على معرفة بلغة العرب لغة القرآن، بل هم جاهلون بأساليب تلك اللغة، وخائضون فيما لا علم لهم به. 

ونحاول فيما يلي من سطور أن نتلمس كلام أهل العلم حول هذا الأسلوب العربي عموماً، وعند هذه الآية خصوصاً؛ توضيحاً لما يلتبس على بعض من يغتر بكلام من لا علم له بلسان العرب. 

قال أهل العلم عند قوله سبحانه: {حتى إذا كنتم في الفُلك وجرين بهم} ما نصه: هذا خروج من الخطاب إلى الغيبة، وهو في القرآن وأشعار العرب كثير؛ ففي القرآن قوله تعالى: {وسقاهم ربهم شرابا طهورا * إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا} (الإنسان:21-22) ففي الآية الكريمة انتقال من خطاب الغائب إلى خطاب الحاضر؛ فبدل أن يقول: (إن هذا كان لهم) حسب سياق الآية السابقة لهذه الآية، {وسقاهم ربهم} قال: {إن هذا كان لكم} فغير أسلوب الخطاب من نوع لآخر، وهذا ما يُعرف في علم البلاغة بـ (الالتفات) وهو في القرآن كثير، كما سيأتي، وفي أشعار العرب كثير أيضاً، من ذلك قول النابغة

                       يا دار ميَّة بالعلياء فالسند       أقوت وطال عليها سالف الأمد

فبدأ الشاعر أسلوبه مخاطباً الحاضر، بقوله: (يا دار ميَّة) ثم التفت إلى أسلوب مخاطبة الغائب، كما هو واضح في قوله: (وطال عليها). 

وقول عنترة في معلقته: 

                      شطَّت مَزارُ العاشقين فأصبحتْ    عَسِرًا عليَّ طِلابُكِ ابنةَ مخْرَمِ

فبدأ بخطاب الغائب، فقال: (شطَّت-فأصبحتْ) ثم انعطف إلى خطاب الحاضر، فقال: (طِلابُكِ). 

وقال الزجاج -وهو من أئمة اللغة-: كل من أقام الغائب مقام من يخاطبه، جاز أن يرده إلى الغائب. 

قال بعض المفسرين عند هذه الآية: وفائدة الالتفات من الخطاب إلى الغيبة هنا المبالغة في وصف الحال التي هم عليها؛ وأيضًا ليتمكنوا من رؤية العبرة في غيرهم، وليست فيهم.

وقال الرازي: الانتقال من مقام الخطاب إلى مقام الغيبة في هذه الآية دليل المقت والتبعيد؛ كما أن عكس ذلك ما جاء في بداية سورة الفاتحة، إذ بدأت السورة بأسلوب خطاب الغيبة، في قوله تعالى: {الحمد لله رب العالمين} ثم عطفت على ذلك بأسلوب الخطاب المباشر، في قوله تعالى: {إياك نعبد} قال الرازي: وهذا دليل الرضا والتقريب.

أما ابن عاشور، فيرى في الآية أسلوباً بديعاً؛ إذ إنها لما كانت بصدد ذكر النعمة جاءت بضمائر الخطاب الصالحة لجميع السامعين، المؤمنين وغير المؤمنين؛ وذلك في قوله: {هو الذي يسيركم في البر والبحر} وقوله: {حتى إذا كنتم في الفلك} فلما تهيأت الآية للانتقال إلى ذكر الضراء -وهو الموقف الذي يخالف فيه حالُ المؤمن حالَ الكافر- قال: {وجرين بهم} ثم قال: {وجاءهم الموج من كل مكان} إلى أن قال: {وظنوا أنهم أحيط بهم} وقع الانتقال من ضمائر الخطاب إلى ضمائر الغيبة؛ لتلوين الأسلوب، وللفت الانتباه إلى تلك الحالة، حالة غير المؤمنين عندما تصيبهم الضراء، فجاءت الضمائر في الآية وَفْق حال الفريقين.

ولو تتبعنا هذا الأسلوب -أسلوب الالتفات من المخاطبة إلى الغيبة أو العكس- في القرآن الكريم لوجدنا العديد من الآيات التي سيقت وَفْق هذا الأسلوب؛ فمن ذلك -على سبيل المثال لا الحصر- ما جاء في سورة الفاتحة -كما سبق وذكرنا- وأيضاً قوله تعالى: {ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار} (المائدة:12)، ففي الآية التفاتان؛ أولهما: التفات من خطاب الغائب، في قوله سبحانه: {ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل} إلى خطاب المتكلم، إذ قال: {وبعثنا منهم} ولو جرى على أسلوب واحد لقال: (وبعث منهم). وثانيهما: التفات من خطاب المتكلم، في قوله: {وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا} إلى خطاب الغائب، إذ قال: {وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم}.

ومن الأمثلة أيضاً على هذه الأسلوب، قوله سبحانه: {قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين} (آل عمران:13) فانتقل هنا من خطاب المتكلم، في قوله: {قد كان لكم} إلى خطاب الغائب، إذ قال: {يرونهم مثليهم}. 

فإذا كان هذا الأسلوب شائعاً في القرآن، وجارياً على سَنَن لسان العرب، فلا يُلتفت بعد ذلك إلى مَن أشكل عليه هذا الأسلوب، أو قال بقول خلافه. 

على أن لهذا الأسلوب فوائد أخرى، نشير سريعاً إلى بعضها، وإن لم يكن هذا مقامها: 

فمن فوائد هذا الأسلوب، حمل المخاطب على الانتباه عند تغيير الأسلوب، وذلك يكون بالانتقال من خطاب الحاضر إلى خطاب الغائب أو العكس. 

ومن ذلك أيضاً، دفع السآمة والملل، لأن البقاء على أسلوب واحد مع طول الكلام، يسبب الملل غالباً. 

وبما تقدم، يتضح أنه ليس ثمة إشكال في أسلوب الآية الكريمة، وإنما الإشكال فيمن قصر فهمه عن فهم كلام العرب وفقه سَنَن لسانهم، وجهل أسلوب القرآن وطريقة بيانه.

مواد ذات صلة



تصويت

من أعظم المقاصد التي أكد عليها الإسلام تقوية أسباب التراحم و التلاحم بين المسلمين وترسيخ معاني التصافي والتآخي بين أبناء المجتمع "واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا". ترى لماذا هذه الفرقة الحاصلة الآن بين الدول العربية والإسلامية؟

  • اختلافات سياسية
  • مطامع مادية وتوسعية
  • من صنع أعدائهم
  • اختلافات أيدلوجية
  • كل ما سبق