الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

4- نشأة المذاهب الفقهية، وأسباب اختلاف الفقهاء

  • اسم الكاتب:
  • تاريخ النشر:21/09/2011
  • التصنيف:مقدمات
  •  
21827 0 399

مضى في تعريف الفقه أنه العلم بالأحكام الشرعية، وإنما يُطلب العلم بها من أجل تنفيذها والعمل بها، وهذا هو مقتضى العبودية لله تعالى، فإن العبد إنما يتعلم مراد مولاه ليتأهل للخدمة!

ولقد أنزل الله القرآن على نبينا محمد عليه الصلاة والسلام محتويًا على تلك الأحكام الشرعية، ولم يقصِّر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيان هذه الأحكام للناس، فعلَّمهم كيفية أدائها، وشرح لهم أركانها وشروط صِحَّتها. وكان بيانه - صلى الله عليه وسلم - بالقول (وهو السنَّة القولية) وبالفعل (وهو السنة العملية) وبإقراره لبعض أقوال وأفعال الصحابة التي تتوافق مع شريعة رب العالمين.

وكان مصدر الأحكام وقتئذٍ هو الوحي سواء المنزل باللفظ والمعنى وهو القرآن أم المنزل بالمعنى دون اللفظ وهو السُّنَّة. وكان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يستفتون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كل ما يُشْكِل عليهم فهمُه من أحكام الشريعة، فكان صلى الله عليه وسلم يبين لهم أبلغ البيان، كما كان يَفْصِل في القضايا التي تُرفع إليه، ويحكم في النزاعات التي تحصل بين أفراد المجتمع.

وبعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم بلَّغ الصحابةُ الدينَ لمن بَعدَهم كما تلقَّوه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقاموا بواجبهم حق القيام، فنصبوا أنفسهم للتدريس والإفتاء والقضاء، وظهر فيهم الفقهاء والمجتهدون، واعتمدوا في ذلك على الأحكام الشرعية التي تلقَّوها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فكان كبار الصحابة يمارسون الفقه، ويعلمون الناس الأحكام، وكانوا يرجعون إلى كتاب الله تعالى، فإن وجدوا فيه الحكم استغنَوا به ووقفوا عنده، وإلا لجؤوا إلى سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإن وجدوا فيها ضالتهم تمسكوا بها والتزموها، وإلا بذلوا جهدهم بالنظر في نصوص الكتاب والسنة واستعملوا القياس وسائر وسائل الاجتهاد، مصطحبين مقاصد الشريعة وقواعدها الكلية في استنباط الحكم الشرعي، وانتفعوا بما عاينوه من أسباب نزول الآيات وأسباب ورود الأحاديث، فضلاً عن ما تميزوا به من صفاء القريحة، وقوة الملَكة، والسليقة العربية، وامتلاك ناصية البيان، ومعرفة دلالات الألفاظ، مما جعلهم يدركون مقاصد الشريعة وحكمة التشريع.

وإن اتفق فقهاء الصحابة على أمر كان إجماعًا، وإلا عمل كل مجتهد بما توصّل إليه.

ثم جاء بعد عصرِ الصحابة عصرُ التابعين، وكان أن نبغ فيهم فقهاء أخذوا العلم عن فقهاء الصحابة، وساروا سيرتهم في التعامل مع القضايا والنوازل؛ فكانوا يرجعون فيما يُشكل عليهم إلى نصوص الكتاب والسنة، فإن لم يجدوا بغيتهم فيهما عمِدوا إلى ما ورِثوه من فتاوى الصحابة واجتهاداتهم، وأضافوا هم اجتهاداتهم الخاصة في المسائل الجديدة وَفقًا للمنهج الذي تعلموه من الصحابة في الاجتهاد والاستنباط.

ومن الفقهاء الأعلام الذين نبغوا في عصر التابعين فقهاء في أكثر الأمصار؛ ففي المدينة: نبغ فقهاء المدينة السبعة وغيرهم، وفي مكة: نبغ سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح وطاووس وغيرهم، وفي الكوفة: علقمة والأسود وإبراهيم النخعي وغيرهم، وفي البصرة: الحسن البصري، وفي الشام: مكحول والأوزاعي، وفي مصر: الليث بن سعد. وكان لكل من هؤلاء الفقهاء قواعده التي بنى عليها اجتهاداته وتابعه عليها طلابه الآخذين عنه.

فظهر في هذه الأثناء اتجاهان قويان للاجتهاد والفقه، تمثلا في مدرسة الحديث في الحجاز، ومدرسة الرأي في العراق. وتتلمذ على أعلام هاتين المدرستين كوكبة من الأئمة الفقهاء اختطوا لأنفسهم طُرُقًا ومناهج يستنبطون بها الأحكام، وذلك لأن نصوص الشريعة ليست كلها قطعية الدلالة على حكم الله تعالى، بل بعضها حمَّال ذو وجوه، مما جعل أئمة الفقه يضعون لأنفسهم تلك الأصول والطُّرُق التي يستطيعون من خلالها استنباط الأحكام من الأدلة، وصار لكل إمام منهم طلاب وأتْباع يأخذون عنه علمه، ويتبنَّون طريقته، ويقلدونه في اجتهاداته واختياراته الفقهية المؤسسة على تلك الأصول والطرق والمناهج. وقد عُرفت هذه الطرق بالمذاهب.

ولقد انقرض أكثرُ تلك المذاهب الفقهية، ولم يبقَ منها إلى يوم الناس هذا إلا أربعةٌ هي: مذهب الإمام أبي حنيفة، ومذهب الإمام مالك، ومذهب الإمام الشافعي، ومذهب الإمام أحمد.

والخلاف الموجود بين هذه المذاهب الفقهية ناشئ عن أسباب كثيرة، منها: عدم بلوغ الحديث إلى بعض هؤلاء المجتهدين وبلوغه البعضَ الآخر، ومنها: أن الحديث قد يبلغ الأئمة، ولكنهم يختلفون بعد ذلك في صحته.

ثم إن الحديث قد يبلغ الجميع ويتفقون على صحته، ولكنهم يختلفون في فهمه أو ضبطه من حيث اللغة؛ فكم من الأحكام تختلفُ بِناءً على رفع كلمة أو خفضها؟ وهل تلك الآية أو ذلك الحديث منسوخ أم محكم؟ وهل دلالة الآية أو الحديث عامة باقية على عمومها أم هي مخصوصة؟ وهل هي مُطْلَقة أم مقيَّدة؟ وهل المراد بها الحقيقة أو المجاز؟ وكذلك قد يكون اللفظ في عرف الشرع له معنيان فيحمله عالمٌ على معنى، ويحمله غيره من العلماء على المعنى الآخر.

وإذا علم طالب العلم الأسبابَ التي دعت الفقهاء إلى الاختلاف في بعض المسائل، فإنه ينبغي عليه أن يعذرهم، ويترحَّم عليهم، فقد بذلوا وسعهم في خدمة دين الله تعالى وبيان أحكام الشريعة.

وينبغي عليه كذلك أن يحذر من التعصب المذهبي، فكل هؤلاء الفقهاء على خير، ومَعِينهم واحد، وهو الكتاب والسنة وما بُني عليهما، وكلهم كان قصْدُهم واحدًا وهو بلوغ الحق.

ولعل من المفيد أن نذكُر شيئًا مما يؤثر من أقوال أئمتنا في هذا الصدد:
فقد روى أصحاب الإمام أبي حنيفة عبارات مؤداها أن فتاواه مبنية على نصوص الكتاب والسنة، وأنه لا يتعمد مخالفتهما ألبتة، ومن ذلك قوله: "إذا صح الحديث فهو مذهبي"، وقوله: "لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه"، وقوله: "إذا قلت قولاً يخالف كتاب الله تعالى وخبر الرسول صلى الله عليه وسلم فاتركوا قولي".
وقال الإمام مالك: "ليس أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا ويؤخذ من قوله ويترك إلا النبي صلى الله عليه وسلم"، وقال: "إنما أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه".
وقال الإمام الشافعي: "ما من أحد إلا وتذْهَب عليه سنةٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتَعْزُب عنه، فمهما قلتُ من قول أو أصَّلتُ من أصلٍ فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لخلاف ما قلت فالقول ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قولي"، وقال: "كل حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو قولي وإن لم تسمعوه مني".
وقال الإمام أحمد بن حنبل: "لا تقلدني ولا تقلد مالكًا ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري، وخذ من حيث أخذوا"، وقال: "رأي الأوزاعي ورأي مالك ورأي أبي حنيفة كُلُّه رأيٌ، وهو عندي سواء، وإنما الحجةُ في الآثار".
فإذا تأمل طالب العلم ما ذكره أئمتنا من تعظيمهم لنصوص الكتاب والسنة وحِرْصهم الشديد على عدم مخالفتهما، فإنه يزداد حبًا ووفاءً لهم، ويلزمُ نفسَ منهجهم في التعصُّب للنصوص دون التعصُّب للأشخاص.
 

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة

لا يوجد مواد ذات صلة


تصويت

تربية الأبناء على أسس سليمة تكفل لهم حياة متزنة نفسيا وجسديا من أهم واجبات الآباء و الأمهات. بحسب ما تراه ماهي أبرز الأخطاء الشائعة التي تقع في تربية الأبناء؟

  • القسوة المفرطة.
  • التدليل الزائد.
  • الانشغال الدائم و عدم التواصل الكافي.
  • النزاع الدائم أمام الأطفال.
  • غير ذلك.