الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فسخ النكاح بسبب إعسار الزوج
رقم الفتوى: 126155

  • تاريخ النشر:الأربعاء 28 شعبان 1430 هـ - 19-8-2009 م
  • التقييم:
20367 0 629

السؤال

فضيلة الشيخ أحسن الله إليك: أنا أخت تعرفت على أخ من بلد آخر غير بلدي عن طريق الإنترنت واتفقنا على الزواج بعلم أهلنا وتزوجنا من شهرين وسافرت معه إلى بلده وبعد فترة ندمت على زواجي منه، حيث إنه فقير ودخله متوسط ويعمل كعامل حلويات في محل في بلده، فاليوم الذي يعمل فيه يدفعون له، واليوم الذي لا يعمله فيه لا يأخذ شيئا، وأنا مثقفة ومعي دراسات عليا وهو إعدادي، واتفقنا أن أعمل أيضا في بلده لأساعده، لكن تعذرعلي وجود عمل هناك بسبب أمور إدارية، فيجب أن تكون عندي هوية البلد وجنسيته، وما ضايقني منه أنه لا يحافظ على صلاته في الوقت، فأحيانا يحافظ عليها، ووأحيانا لايحافظ عليها، وضايقني منه أيضا أنه يدخن، مع أنه يعلم أنني أكره الدخان وفي كل مرة أطلب منه تركه وأنه حرام يطلب مني مساعدته على تركه، ويعتذر مني حينما يعلم أنني أعلم أنه يدخن، ثم يرجع ثانية ويدخن من وراء ظهري، وكنت أعلم أنه فقير لكنني أحبه، ولا أستطيع الصبر على وضعنا، خصوصا وأنه تعذر علي إيجاد عمل وأرى سنوات دراستي ستضيع أمام عيني ولا أشعر معه بالأمان المادي وأخاف من المستقبل، خصوصا أن البلد مهدد بالحرب في أي وقت من طرف إسرائيل، فقررت العودة لبيت أهلي في بلدي بقصد استشارتهم في وضعي وطلب النصح وسافرت بحجة أن جدتي مريضة جداً وتطلب رؤيتي ـ وهذه طبعا كذبة ـ حتى يتركني أسافر، ولما حكيت لأهلي الوضع بالكامل منعوني من أن أعود إليه نهائيا ونصحوني بالطلاق، لكن زوجي بعدما صارحته بالوضع وطلبت منه الطلاق رفض بدعوى أنه يحبني ولا يستطيع أن يعيش بدوني ووعدني أنه سيتغير لأجلي، أقسم لي بعدها أنه ترك الدخان وأنه التزم بصلاته وأنه زاد ساعات إضافية في عمله بحيث يزيد من دخله، ووقتها أحسست أنه لم يبق عندي أي سبب وخفت أن أكون ممن قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: أيما امرأة طلبت الطلاق من زوجها بدون بأس لا تشم رائحة الجنة.
وقررت أن أعطيه فرصة وأعود إليه، لكن أهلي رفضوا نهائيا وهددتني أمي بأنها لن تكلمني بعد اليوم وأن لا أتصل بها يوما أو أسأل عنها ومهما وقع لي فلن يتدخلوا لمساعدتي، وزوجي يطلب مني السفر من غيرعلمهم وأنا لا أستطيع فعل ذلك حتى لاأخسر أهلي، وطلبت منه أن يأتي هو لبلدي ونستقر هنا، حيث إن والداي قبلوا بهذا الحل وأساعده ليعمل في التجارة وأشتري له محلا، وبدوري أعمل ونساعد بعضنا ونعيش، خصوصا أنني أحبه وأحاول أن أنقذه، لكنه رفض العيش معي في بلدي لأسباب عدة، منها أنه لا يستطيع ترك والدته فهي متعلقة به كثيراً، لأنه وحيدها، وأيضا بسبب تعامل أهلي معه، حيث إن أبي وبخه وقال له الأفضل لكما الطلاق وزوجي أصبح يحمل في قلبه حقداً على أهلي ولا يريد أن يأتي ليذل نفسه لهم ويمشي وراء أوامرهم مثل ما قال وطلبت منه أن يأتي إلى بلدي لمحاولة الصلح ويحاول أن يقنع أهلي بأن وضعنا ـ إن شاء الله ـ سيتحسن عن قريب وبالصبر والله هو الرزاق، ولكنه رفض بحجة أنه ليس لديه نقود للسفر وإجراآت أخذ تأشيرة الدخول لبلدي ـ وهي فعلا صعبة وتتطلب وقتا ـ وأخبرني أن سفري إليه أسهل وأهلي سيرضون عني عاجلا أم آجلا وأخبرني أنني أنا من علي أن أرد اعتباره أمام أهلي بالرجوع إليه، وبعدها نسافر معا كل سنتين لزيارة أهلي، ولكن أهلي لا يصدقونه ويخافون أن يمنعني من الرجوع لبلدي ثانياً أو يؤذيني بسبب ما وقع، فماذا أفعل شيخنا؟ علما بأنني أعيش معه في بيت أهله مع أبيه وأمه وأختيه الاثنتين ولا أشعر بالراحة، بل أشعر أنني ضيفة عندهم، ولا يستطيع زوجي الآن شراء بيت أو تأجيره بسبب ظروفه المادية، وطلب مني أن أصبر معه سنة في انتظار أن نوفر ما نؤجربه بيتا، وإذا سافرت الآن إلى زوجي أكون بذلك قد أغضبت أهلي وخسرت مودتهم ورضاهم علي، وهم غير راضيين أبداً عن عودتي إلى زوجي في بلده ويخافون علي وندموا أصلا أنهم زوجوني له بسبب بعد المسافة ووضعه المادي، وأخبرتني أمي أن الأهل يزوجون بناتهم حتى يطمئنوا عليهم ونحن غير مطمنين عليك، ومعه ستتعذبين، وزوجي في نفس الوقت يضغط علي كل يوم بضرورة العودة وأنه يحتاجني وأحيانا يخيرني بينه وبين أهلي ويقول لي: لو اخترت أهلك ظلي عندهم، ولو اخترتني فباب بيتك مفتوح لك والبيت أصلا يعود لأمه، ويعدني أنه سيهتم بي ويكون نعم الزوج الصالح لي ويعوضني عن كل شيء، لكني أخاف أن أسافر رغماً عن أهلي وأندم ثانية على زواجي منه وأكون خسرت كل شيء ـ أهلي وزوجي ـ مع أنني أحبه وأعلم عنه الطيبوبة وأنه يحبني، ولكني أخاف أن يغير معاملته معي بعد ما وقع بيننا من مشاكل، خصوصا أنه أصبح عصبيا وغير من نبرة صوته في تعامله معي، والله المستعان، أشعر أن ربي ينتقم مني بسبب انتهاكي لحرماته واسأله تعالى بمنه وكرمه أن يغفر لي ويتوب علي برحمته التي وسعت كل شيء، أفتني يا شيخ في مسألتي كتب الله أجرك ولا تنساني من صالح الدعاء.

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:

فلا شك أن زوجك أولى بك من والديك وأهلك أجمعين وطاعته أوجب من طاعة والديك وإذا تعارضت طاعته مع طاعة غيره فالواجب عليك أن تقدمي طاعته، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ في الفتاوى: المرأة إذا تزوجت كان زوجها أملك بها من أبويها، وطاعة زوجها عليها أوجب. انتهى.

وعلى ذلك فالأصل في حالتك هذه أنه يلزمك الرجوع إلى بيت زوجك، بل وعليك أن تتوبي إلى الله سبحانه مما كان منك من التدليس عليه بمرض جدتك حتى تتركي بيته فهذا لا يجوز، لكن يبقى هنا أمران ينبغي التنبه لهما:

الأول: وهو أمر النفقة، فإن الزوج إذا كان لا ينفق على زوجته النفقة المعتادة التي تناسب حالهما، فإن هذا مما يبيح لها طلب الطلاق منه حتى وإن كانت عالمة بفقره قبل الزواج على ما ذهب إليه جمهور العلماء، جاء في شرح الممتع على زاد المستقنع للعثيمين: إذا تزوجها وهو معسر عالمة بعسرته، فلها أن تطالب بالنفقة على المذهب، وتقول: إما أن تطلق، وإما أن تنفق، وعلة ذلك أن نفقتها تتجدد كل يوم، فإذا أسقطت نفقة غدٍ لم تسقط، لأنها لم تملكها بعد، وإسقاط الشيء قبل وجوبه لا عبرة به. انتهى.

وجاء في أسنى المطالب في شرح روض الطالب: لو نكحته عالمة بإعساره أو رضيت بالمقام معه ثم ندمت فلها الفسخ، لأن النفقة تجب يوماً فيوما والضرر يتجدد ولا أثر لقولها رضيت بإعساره أبداً، لأنه وعد لا يلزم الوفاء به. انتهى.

وذهب ابن القيم إلى أن المرأة لا يجوز لها الفسخ بسبب إعسار الزوج سواء تزوجته عالمة بإعساره أو كان موسراً ثم طرأ عليه الإعسار، ولم يجوز لها الفسخ إلا في حالة واحدة وهي ما إذا غرها وخدعها فأظهر لها الغنى واليسار وهو بخلاف ذلك، جاء في نيل الأوطار: وذهب ابن القيم إلى التفصيل وهو إذا تزوجت به عالمة بإعساره أو كان حال الزواج موسراً ثم أعسر فلا فسخ لها، وإن كان هو الذي غرها عند الزواج بأنه موسر ثم تبين لها إعساره كان لها الفسخ. انتهى.

واختار الشيخ ابن عثيمين ـ رحمه الله ـ رأياً وسطاً وهو: أنه إذا تزوجته عالمة بإعساره فلا فسخ، ولكن لا يمنعها من العمل والكسب، جاء في الشرح الممتع على زاد المستقنع: ولهذا ذهب بعض أهل العلم إلى قول جيد يجمع بين الحقوق، فقال: ليس لها الفسخ في الحالة الثالثة ـ إذا كان موسراً ثم أعسرـ لأن هذا ليس باختياره، وفي الحالة الثانية ـ إذا تزوجته عالمة بإعساره ـ ليس لها الفسخ، لأنها دخلت على بصيرة ولكن لا يمنعها من التكسب، لأنه إذا كان ينفق عليها له الحق أن يمنعها من التكسب، فإذا كان لا ينفق فليرخص لها في التكسب وهذا قول قوي وإليه ذهب أبو حنيفة ـ رحمه الله. انتهى.

والراجح هنا ـ والعلم عند الله ـ هو ما ذهب إليه جمهور العلماء، وعليه فإذا لم يستطع الزوج النفقة فيجوز لزوجته فسخ النكاح أو طلب الطلاق للضرر.

الثاني: أن من حق الزوجة على زوجها أن يوفر لها مسكناً مستقلاً عن أهله، على ما بيناه في الفتوى رقم: 34802، فإن لم يوفر لها هذا المسكن فمن حقها طلب الطلاق منه، وإن كان الأولى والأفضل في كل ذلك أن تلزم الصبرـ سواء عند ضيق النفقة أو عدم وجود مسكن مستقل.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

المكتبة

عضوية الموقع

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق: