الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حكم الانتفاع بالبيت المبني من مال حرام

السؤال

سؤالي هو: قبل عشرين سنة أعطى أخي لأبي ـ رحمه الله ـ مقدارا من المال وقال له: اشتر به بيتا ـ وبالفعل اشترى أبي بيتا وانتقلنا إليه وعشنا فيه ـ وكان أخي وقتها خارج العراق في أحد البلدان الأوربية ـ وكتب البيت باسم أمي، وهي تعيش إلى الآن إلا أنها مصابة بمرض الزهايمر ـ شفاها الله.
والآن بعد هذه الفترة جاء أخي ليخبرنا أن هذا البيت كان من مال حرام، ويريد منا ـ نحن إخوته ـ أن نكتب له تنازلا عن حقنا في هذا البيت، لأنه يقبل الحرام على نفسه.
وسؤالي هو: هل أكتب له تنازلا عن حقي في هذا البيت؟ مع العلم أنني قد عرفت أن هذا البيت قد جاء من مال حرام والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: انصر أخاك ظالما أو مظلوما.
وبهذا أكون قد أعنته على الظلم، وإذا لم أتنازل فأنا لا أقبل الحرام على نفسي ولا أستطيع أن أعطي هذا المال للمحتاجين، لأن الله طيب لايقبل إلا طيبا. أفتوني ـ الله يرضى عنكم ـ في أسرع وقت ممكن، لأن أخي مستعجل.

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:

فالذي فهمناه من السؤال: هو أن الأخ دفع إلى والده مالا ليشتري به بيتا على سبيل الهبة والتبرع، ففعل الأب وسجل البيت باسم زوجته، وإن كان فعل ذلك على سبيل الهبة لها، فالبيت بيتها، وليس فيه حق لك ولا لأخيك، لأن الإنسان لا يورث ما دام حيا، ولم تذكر أن الأم وهبت البيت لكم، هذا إذا كان البيت المسجل باسمها لها، وأما إن كان البيت للأب وهو لا يزال حيا، فالبيت بيته ولا عبرة بالتسجيل في الأوراق الرسمية.

وإن كان الأب قد مات والبيت على ملكه فهو تركة لكل وارث من ورثته نصيبه المقدر فيه شرعا.

ولو كان كتبه باسم زوجته على اعتبار كونه يوصي به لها بعد موته، فالوصية للوارث باطلة مالم يجزها باقي الورثة .

وأما كون البيت قد اشتري بمال حرام، فإن ذلك لا يحرم عينه والانتفاع به، وإنما يخرج قدر المال الحرام الذي اشتري به لتعلق الحرمة بالذمة لا بعين ما اشتري بالمال الحرام، وهذا فيما إذا لم يكن للأخ الذي وهب ذلك المال مال آخر حلال غيره، فإن كان له مال حلال ومال حرام فما وهبه يقع من ماله الحلال لجواز معاملة مختلط المال وقبول هبته، وعليه هو أن يخرج قدر الحرام من ماله ويتخلص منه بصرفه في مصالح المسلمين ودفعه إلى الفقراء والمساكين.

وأما إن كان الواهب لا يملك مالا غير المال الحرام، وكان الأب فقيرا محتاجا إليه فهو من مصارفه ولا يلزم إخراج قدر ما دفع إليه منه، وإن كان غير فقير ولم يعلم بحرمته عند أخذه فلا إثم عليه، وعلى من آل إليه البيت وليس فقيرا أن يخرج قدر الحرام ليطيب له الانتفاع به، لأن الحرام لا يطيب بالانتقال بالإرث، قال ابن رشد ـ الجد ـ المالكي: وأما الميراث فلا يطيب المال الحرام، هذا هو الصحيح الذي ‏يوجبه النظر.

وقال ‏النووي في المجموع: من ورث مالاً ولم يعلم من أين كسبه مورثه؟ أمن حلال أم من حرام؟ ‏ولم تكن علامة فهو حلال بإجماع العلماء، فإن علم أن فيه حراماً وشك في قدره أخرج ‏قدر الحرام بالاجتهاد. انتهى. ‏

وأما من كان فقيرا وآل إليه شيء من المال الحرام، فلا يلزمه أن يخرج عوضا عنه، لأن القريب الفقير يجوز دفع المال الحرام إليه، ويكون حلالا له، لا حراما عليه، قال النووي في المجموع عن الغزالي: وإذا دفعه إلى الفقير لا يكون حراما على الفقير, بل يكون حلالا طيبا, وهذا الذي قاله الغزالي في هذا الفرع ذكره آخرون من الأصحاب ـ وهو كما قالوه ـ نقله الغزالي ـ أيضا ـ عن معاوية بن أبي سفيان وغيره من السلف, وعن أحمد بن حنبل والحارث المحاسبي وغيرهما من أهل الورع .

وقال أيضا: وله ـ أي حائز المال الحرم ـ أن يتصدق به على نفسه وعياله إن كان فقيراً، وله أن يأخذ قدر حاجته، لأنه ـ أيضاً ـ فقير.

وجاء في الاختيار لتعليل المختار: والملك الخبيث سبيله التصرف به، ولو صرف في حاجة نفسه جاز، ثم إن كان غنيًا تصدق بمثله، وإن كان فقيرًا لا يتصدق. انتهى.

وانظر الفتاوى التالية أرقامها: 16295، 57390، 25616.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني