ضوابط الانتقال من قول من أقوال المجتهدين إلى غيره - إسلام ويب - مركز الفتوى
الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ضوابط الانتقال من قول من أقوال المجتهدين إلى غيره
رقم الفتوى: 149469

  • تاريخ النشر:الإثنين 11 ربيع الأول 1432 هـ - 14-2-2011 م
  • التقييم:
7007 0 376

السؤال

اعلم أنه ينبغي أن أتبع الدليل وأن لا أتتبع الرخص، ولكنني أستشكل هذا الأمر أن ما ورد عن صاحب أبي حنيفة عندما أخبر بوقوع الفأرة ميتة في الحمام أخذ بقول المدنيين بدون اقتناع وغير ذلك من المواقف التي حدثت مع هؤلاء الأئمة، فهل صح غسله وارتفاع الإثم بمجرد الانتقال للرأي الآخر رغم اعتقاده ببطلانه وإذا كنت مقتنعا بقول فهل أستطيع الانتقال عنه لمجرد الحاجة وأتمثل بقول الشافعي: ربما انحدرنا لمذهب العراقيين؟ أرجو ذكر أسماء مراجع أجد فيها ضوابط الانتقال من قول إلى قول بالتفصيل حتى أعبد الله على بصيرة.

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:

فالذي تعبد الله عز وجل به عباده وألزمهم باتباعه والأخذ به هو كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فإن كان المرء جاهلا  فعليه أن يسأل أهل العلم  وينجو عند الله عز وجل بسؤالهم والعمل بفتواهم، قال تعالى فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ {النحل:43}

والمذاهب الفقهية ليست أديانا ولا شرائع، وإنما هي مدارس للتعامل مع نصوص الوحي وكيفية استنباط الأحكام من الكتاب والسنة وتقريبهما إلى أفهام الناس، ومن هنا فأقوالهم مجرد اجتهاد ولا يعتقدون أنهم  الذين أصابوا الحق وأن غيرهم على الباطل قطعا حتى لانقول إن صاحب أبي حنيفة لما أخذ رأي المدنيين كان معرضا عن مذهبه الذي يعتقده حقا ومقبلا على مذهب يعتقد بطلانه، لأن الكل اجتهاد وقد يعمل بمذهبه حيث يرى رجحان اجتهاد إمامه وقد يعمل بمذهب غيره حيث يرى أنه يساوي اجتهاد إمامه سيما وأن ذلك بعد الفعل وإبطاله لا يكون إلا  عن يقين وقطع، ولايقين لديه في  إصابة اجتهاد إمامه، والقصة المذكورة جرت لأبي يوسف صاحب أبي حنيفة، ففي البزازية عن الإمام الثاني ـ وهو أبو يوسف ـ رحمه الله: أنه صلى يوم الجمعة مغتسلاً من الحمام وصلى بالناس وتفرقوا ثم أخبر بوجود فأرة ميتة في بئر الحمام فقال: إذاً نأخذ بقول إخواننا من أهل المدينة: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً .

قال شيخ الإسلام: ثم من المعلوم بالتواتر عن سلف الأمة أن بعضهم ما زال يصلي خلف بعض، فما زال الشافعي وأمثاله يصلون خلف أهل المدينة وهم لا يقرؤون البسملة سراً ولا جهراً.

ومن المأثور أن الرشيد احتجم فاستفتى مالكاً فأفتاه بأنه لا وضوء عليه فصلى خلفه أبو يوسف، ومذهب أبي حنيفة وأحمد أن خروج النجاسة من غير السبيلين ينقض الوضوء، ومذهب مالك والشافعي أنه لا ينقض الوضوء فقيل لأبي يوسف: أتصلي خلفه؟ فقال: سبحان الله! أمير المؤمنين.

قال الشيخ ولي الله الدهلوي: وقد كان في الصحابة والتابعين ومن بعدهم من يقرأ البسملة ومنهم من لا يقرؤها ومنهم من يجهر بها ومنهم من لا يجهر بها، وكان منهم من يقنت في الفجر ومنهم من لا يقنت في الفجر ومنهم من يتوضأ من الحجامة والرعاف والقيء ومنهم من لا يتوضأ من ذلك، ومنهم من يتوضأ من مس الذكر ومس النساء بشهوة ومنهم من لا يتوضأ من ذلك، ومنهم من يتوضأ من أكل لحم الإبل ومنهم من لا يتوضأ من ذلك، ومع هذا فكان بعضهم يصلي خلف بعض مثل ما كان أبو حنيفة وأصحابه والشافعي وغيرهم ـ رضي الله عنهم ـ يصلون خلف أئمة المدينة من المالكية وغيرهم وإن كانوا لا يقرؤون البسملة لا سراً ولا جهراً، وصلى الرشيد إماماً وقد احتجم فصلى الإمام أبو يوسف خلفه ولم يعد، وكان الإمام أحمد بن حنبل يرى الوضوء من الرعاف والحجامة فقيل له: فإن كان الإمام قد خرج منه الدم ولم يتوضأ هل تصلي خلفه؟ فقال: كيف لا أصلي خلف الإمام مالك وسعيد بن المسيب.

وبالتالي فما تستشكله من فعل صاحب أبي حنيفة وغيره من أخذه برأي غير إمامه لا إشكال فيه مادام يعتقد صحته وجواز الأخذ به، لأن المسألة ليست كما تتصور حق وباطل، وإنما هو اجتهاد متعدد في فهم النصوص أو بسبب تعارض الأدلة في الظاهر فكل يأخذ بدليل يراه راجحا، وقد يعمل بالمرجوح أحيانا، ومن قواعد المالكية مراعاة الخلاف سيما بعد حدوث الفعل فلا يبطلونه إذا كان من أئمة العلم من يقول بصحته اعتبارا لقوله.

وأما لو كان في المسألة دليل صحيح الإسناد قطعي الدلالة لا يعارضه دليل مثله فيجب العمل به ولا يلتفت إلى غيره، لأن الكل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر، كما قال مالك يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأما قولك: إذا كنت مقتنعا برأي فهل لك أن تعمل بغيره عند الحاجة؟ فالجواب أنه لاحرج  في ذلك إذا كان القول المقابل لمجتهد معتبر ولم يظهر فساده وبطلانه لمخالفة دليل ونحوه وأن لا يكون الغرض من الالتجاء إليه الشهوة، اتباعاً للهوى وابتغاء حطام الدنيا، وقد جاء في فتاوى عليش: إن خروج المقلد من العمل بالمشهور إلى العمل بالشاذ الذي فيه رخصة من غير تتبع للرخص صحيح عند كل من قال بعدم لزوم تقليد الأرجح، وهو قول الأكثر من الأصوليين، ويباح للمقلد أن يقلد من شاء من أقوال المجتهدين، وإن نقل الإجماع على منع ذلك غير صحيح.

ولمعرفة الضوابط التي يجب مراعاتاها عند الاختيار في أقوال المجتهدين واستفتاء المفتين وما يعمل به منها انظر الفتاوى التالية أرقامها: 44633، 5583، 10940.

وللاستزادة حول الموضوع يمكنك مراجعة إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم، والأحكام للآمدي وغيرهما من كتب أهل العلم، كما أنه يوجد بحث للدكتور وهبة الزحيلي حول الضوابط الشرعية للأخذ بأيسر المذاهب يمكن للسائل الرجوع إليه.

 والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

المكتبة

عضوية الموقع

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق: