الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

لا فضل لفقير على غني ولا لغني على فقير إلا بالتقوى

السؤال

هل جزاء من يؤدي العبادة وهو فقير كمثل جزاء من يؤدي العبادة وهو غني؟ حيث إن الفقير يعاني من ضيق في الرزق والعقبات الدنيوية تبعده عن تأدية العبادة بشكل صحيح، ويكون مقصرا ويكون الفرض الديني له الصلاة وصيام شهر رمضان فقط، أما الغني فيكون مرتاح البال ويشعر بكل شيء يفعله مما يجعله يؤدي الفرائض بشكل صحيح، فهل جزاء الله للغني في ذلك الحال أفضل من الفقير؟.

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فإن الفقر والغنى بحدهما لا يجعلان فرقا بين عبادة الفقير والغني، بل جزاء العبادة والطاعة إنما هو على حسب الامتثال والإخلاص، وإذا كان الفقير مشغول البال بالكد للعيش وطلب الرزق فإن الغني مشغول بأمواله في تنميتها وحفظها مما يجعله مشغولا أيضا، فإذا أدى عبادته مع ذلك على الوجه المطلوب فلا ينقص من جزائه كونه غنيا، والله سبحانه وتعالى يبتلى العباد بالنعم كما يبتليهم بالشدائد كالفقر ونحوه، والمفاضلة بين الغني الشاكر والفقير الصابر قد تناولها ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ باستفاضة وتفصيل لأدلة كل قول في كتابه عدة الصابرين، ثم قال: التحقيق أن يقال: أفضلهما أتقاهما لله تعالى، فإن فرض استواؤهما في التقوى استويا في الفضل، فإن الله سبحانه لم يفضل بالفقر والغنى كما لم يفضل بالعافية والبلاء، وإنما فضل بالتقوى كما قال تعالى: إن أكرمكم عند الله أتقاكم ـ وقد قال: لا فضل لعربي على عجمي، ولا فضل لعجمي على عربي إلا بالتقوى، الناس من آدم وآدم من تراب ـ والتقوى مبنية على أصلين الصبر والشكر وكل من الغنى والفقير لا بد له منهما، فمن كان صبره وشكره أتم كان أفضل، فإن قيل فإذا كان صبر الفقير أتم وشكر الغنى أتم فأيهما أفضل؟ قيل أتقاهما لله في وظيفته ومقتضى حاله. انتهى.

ويشهد لذلك ما في الصحيحين عن أبي هريرة، وهذا حديث قتيبة: أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم، فقال وما ذاك؟ قالوا يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون ولا نتصدق ويعتقون ولا نعتق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفلا أعلمكم شيئا تدركون به من سبقكم وتسبقون به من بعدكم ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم؟ قالوا بلى يا رسول الله، قال تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين مرة، قال أبو صالح فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. هذه رواية مسلم.

قال النووي: في هذا الحديث دليل لمن فضل الغني الشاكر على الفقير الصابر وفي المسألة خلاف مشهور بين السلف والخلف من الطوائف. انتهى.

وهذا في غير الصدقة، أما في الصدقة فقد دلت السنة على أن صدقة المقل أفضل من صدقة الغني، لأن المشقة التي تلحق الفقير بإيثاره على نفسه أعظم من المشقة التي تلحق الغني إذا تصدق ببعض ماله، فعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبق درهم مائة ألف درهم، فقال رجل: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: رجل له مال كثير أخذ من عرضه مائة ألف درهم فتصدق بها، ورجل ليس له إلا درهمان فأخذ أحدهما فتصدق به. والحديث حسنه الألباني وقال: رواه النسائي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحه واللفظ له والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم.

قال المناوي في فيض القدير: قال اليافعي: فإذا أخرج رجل من ماله مائة ألف وتصدق بها وأخرج آخر درهما واحدا من درهمين لا يملك غيرهما طيبة بها نفسه صار صاحب الدرهم الواحد أفضل من صاحب مائة ألف درهم. اهـ.

وقال في المطامح: فيه دليل على أن الصدقة من القليل أنفع وأفضل منها من الكثير: ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ـ والدرجات تتباين بحسب تباين المقاصد والأحوال والأعمال. انتهى.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني