الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

شبهة حول سن أم المؤمنين عائشة عند الزواج
رقم الفتوى: 201658

  • تاريخ النشر:الإثنين 14 جمادى الأولى 1434 هـ - 25-3-2013 م
  • التقييم:
15520 1 380

السؤال

يا شيخنا الكريم أريد أن أعيد عليك نفس السؤال الذي سأله لك أحد إخوتي في الإسلام وهو تاريخ زواج سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيدة عائشة أم المؤمنين فافتح لي قلبك ونبه لي عقلك، وياليتك تبتعد عن كتابي البخاري ومسلم، وتأخذ بالتاريخ الإسلامي الذي اتفق عليه علماء المسلمين جميعاً، فالبخاري ومسلم لم ينزلا من عند الله وهما غير معصومين، ويمكن أنهما أخطئا في نقلهما لبعض الأحاديث النبوية الشريفة، وأنا يا شيخنا لست شيعيا ولا صوفيا ولا أي شيء من هذا، أنا مسلم سني أحب الله وأحب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلهذا كن صبورا معي يا شيخنا الكريم، وهناك أحاديث تناقلتها كتب الصحيحين مثل صحيح مسلم والبخاري غير صحيحة ولا يصدقها عاقل عن السيدة عائشة رضي الله عنها وأرضاها توضح أنها تزوجت الرسول عليه الصلاة والسلام وهي في السادس ودخل عليها في التاسع من عمرها، وهذا الكلام غير أخلاقي من الناحية الإسلامية فهذا يعتبر اغتصابا وهو حرام شرعاً، وهو أيضاً يخالف الأحداث والتاريخ الإسلامي من وقت الهجرة إلى عام 73 هجري وقت وفاة أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير بن السيدة أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهم أجمعين، المعروف أن السيدة أسماء بنت أبي بكر مولودة قبل عام الهجرة بـ 27 عاما وهي أكبر من أختها عائشة بعشرة أعوام، وكذلك توفي ابنها عبد الله بن الزبير عام 73 هجري وكان عمرها 100 عام وأي إنكار في هذه الأحداث يفسد تاريخ الإسلام بل يُدمر جميع أبحاث وأقوال علماء المسلمين إلى وقتنا هذا، علماً بأنني أعلم إن شاء الله أنني لو سألتك يا شيخ عن تاريخ مولد السيدة أسماء بنت أبي بكر وتاريخ وفاتها فستذكر لي ما ذكرته لك سابقاً، لأن التاريخ الإسلامي يقر بذلك، لذلك يتضح أن الرسول صلى الله عليه وسلم تزوج السيدة عائشة وعمرها 18 عاما وليس 6 أو 7 أعوام كما ذكر لنا في البخاري ومسلم، ولو نظرنا لحادثة الإفك والتي كانت في العام الثاني الهجري نجد أن عمر السيدة عائشة رضي الله عنها أكبر من 8 سنوات، وأنا يا شيخنا أعترض على روايات منقولة عن السيدة عائشة وهي روايات قابلة للخطأ ومتأكد أنها خاطئة، فكلنا غير معصومين والاجتهاد في الدين شيء جميل ولكن بدون كذب وتلفيق، وبالذات الكذب في سيرة سيدنا وحبيبنا ومن نغار عليه من نسمة الهواء سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم فداه روحي وأمي وأبي ومالي وولدي، وهناك يا شيخنا الكريم مثال جميل طرحه عليك أخي في الإسلام قبلي فقال لك يا شيخنا إنه ذكر من قبل الإمام القرطبي أن الذبيح هو إسحاق وليس إسماعيل وقد نقل لنا روايات في الصحيحين أن بعض صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا هذا، فهل وجب علينا اتباع القرطبي وما ذكر بأنه منسوب أيضاً إلى الصحابة كونه ذكر من القرطبي ومنسوب إلى الصحابة؟ أم نستخدم عقولنا لنفرق بين ما جاء به القرطبي وما جاءنا في الصحيحين وما هو منسوب للصحابة والصحابة منه براء وعن ما جاءنا في القرآن الكريم وما قاله الله عز وجل، قال تعالى: وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله {الشورى: 10} وقال تعالى: فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر {النساء:59} وطالما أن أمر السيدة عائشة خرج عن نطاق القرآن وجب علينا الرجوع لأولي العلم، وطالما أن هناك تضاربا في التواريخ والأحداث المنقولة عن شيخنا الإمام البخاري وشيخنا الإمام مسلم فإذن نتدبر بعقولنا، وهذا لا يقلل من شأن الإمامين البخاري ومسلم، والدليل على ذلك مراسلتي لك، أرجوك يا شيخنا أن لا تفهم من كلامي أنني أبحث عن مخرج لأمر زواج السيدة عائشة رضي الله عنها فملايين المسلمين تحدثوا في هذا الأمر، ولكنني أتحدث عن تاريخ إسلامي متضارب الأحداث وهناك من كفر بالإسلام وأشرك بالله بسبب هذه المغالطات التي يدعمها كتابان لا نعلم سوى أنهما من تأليف الإمامين البخاري ومسلم والحمد لله على نعمة الإسلام ويجب علينا أن نوصل كتاب الله وهو القرآن الكريم إلى قلوب الناس ونبسط الإسلام لهم ونجعلهم يرون يسر الإسلام وليس عسره، فالإسلام يسر وليس بعسر. أرجوك يا شيخنا الكريم أن ترد علي بكلام مقنع، وأشكرك على سعة صدرك. وجزاك الله كل خير وبارك الله فيك.

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فأما بخصوص مسألة سن السيدة عائشة ـ رضي الله عنها ـ حين تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم، فقد سبق لنا تحريرها وجواب إشكال مقارنة سنها بسن أختها أسماء ـ رضي الله عنها ـ وذلك في الفتوى رقم: 111903.

كما سبق لنا مزيد بيان لذلك والتأكيد على أن زواجها كان قبل أن تبلغ الحلم وإن كانت قد بلغت مبلغ النساء في ما يتعلق بالعشرة الزوجية، وراجع في ذلك الفتاوى التالية أرقامها: 196965، 73838، 154629.

وراجع في ما يخص مكانة الصحيحين الفتوى رقم: 13678.
والذي نريد لفت نظر السائل إليه هنا أن ردَّ الأحاديث الصحيحة ـ ولا سيما إن كانت في الصحيحين أو أحدهما، وتلقاها فقهاء الأمة بالقبول واحتجوا به على مر العصور ـ بدعوى مخالفتها للقرآن أو للعقل: من المسائل التي زلت فيها أقدام كثير من الناس!! فإن نصوص الوحي المعصوم لا تتعارض ولا تخالف العقل الصريح، وأحكام الشريعة الإسلامية لها من الحِكم ما يخفى على كثير من الناس، ثم إنها لم تأت لتوافق ذوق أو عرف طائفة من البشر في عصرٍ ما أو مكان معين، بل جاءت للناس كافة في كل زمان ومكان، وما كان كذلك فلا غرابة أن تُستغرَب بعض أحكامه في بعض العصور أو الأمكنة، ولكن عند التحقيق والتدقيق تجدها موافقة للعقل السليم، جامعة لمصالح البشرية إجمالا! ومن هذا: مسألة تحديد سن الزواج، فإن الإسلام لم يعين سنا معينة لا يجوز عقد الزواج قبلها، بل ترك ذلك لنظر الأولياء، وراعى فيه أعراف الناس وخصوصية كل مجتمع، واكتفى بوضع الضوابط العامة والقواعد الكلية التي تدفع الخطر، وتوجِّه النظر لضرورة رفع الضرر، وراجع في تفصيل القول في مسألة نكاح الصغيرة وما يتعلق بها من ضوابط وأحكام الفتوى رقم: 195133.

وأما مسألة كفر بعض الناس بالإسلام بسبب ما قد يتصورونه من المغالطات التي في الصحيحين بحسب فهومهم القاصرة: فهذا إن وجد، فإنه سيوجد مثله مع آيات القرآن المجيد، ودورنا في الحالين هو حسن بيان أحكام الشريعة والتبصر في دعوة الناس إليها، وأما إنكارها إو تحريفها فهذا من الضلال المبين، على أننا نؤكد أن مثل هذه الأحكام إن كانت فتنة لطائفة من البشر، فإنها بصائر وهداية لآخرين، وهذا هو حال القرآن، كما قال تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا {الإسراء: 82}.

وقال عز وجل: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى {فصلت: 44}.

وقال تبارك وتعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ {آل عمران: 7}.

وأما مسألة تضارب روايات التاريخ أو غيرها من الروايات!! فهذا حال البشرية في مدوناتها التاريخية وتراثها الثقافي، وتبقى ميزة أهل الإسلام في ما يسر الله لهم من علوم الإسناد وتوثيق الرويات ونقدها، فقد تفردنا من بين الأمم بضوابط علمية متينة في نقل الأخبار ونقدها وتمحيصها، حتى لقد قال المستشرق المجري مارجيليوس: ليفتخرْ المسلمون ما شاءوا بعلم حديثهم. اهـ.

وارجع الفتويين رقم: 132402، ورقم: 184271.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

المكتبة

عضوية الموقع

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق: