الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

سؤال المال من الناس... المذموم والممدوح
رقم الفتوى: 409396

  • تاريخ النشر:الأحد 25 ربيع الآخر 1441 هـ - 22-12-2019 م
  • التقييم:
1199 0 0

السؤال

صدقوني أحتاج إجابة هذا السؤال في أقرب وقت ممكن، وهو ليس سؤالا افتراضيا ولكنه واقعي:
معلوم أنه على المسلم أن يستعين بالله تعالى، وإذا سأل أن يسأل الله، ومعلوم أن مسألة الناس للمال عليها وعيد شديد، حسنا؛ فما القول في هذه الصورة:
عالم مسلم يدرس العلوم الكونية الحديثة، ويحاول أن يصل لنتائج وابتكارات قد تفيد المسلمين في جهادهم ضد أعدائهم يوما ما، لكن التجارب والدراسة تحتاج لأموال ضخمة، حيث يحتاج لشراء معدات وأجهزة، وربما للسفر والانتقال، وهو لا يملك هذا الكم من المال، ولكي يتمكن من الحصول عليه بالعمل سيأخذ منه ذلك وقتا طويلا، وبالتالي يقتطع كل ذلك الوقت من وقت التجارب والدراسة، وربما في النهاية لا يصل للمال المطلوب.
وعلى الجانب الآخر أشخاص مسلمون يملكون أموالا ضخمة، ولا يسخرونها لخدمة الإسلام، وهنا السؤال:
هل إذا اتصل هذا العالم بهؤلاء الأغنياء، وطلب منهم المال للقيام بالتجارب لعلها تفيد المسلمين فيما بعد يكون في ذلك أي حرج شرعي؟ أو يكون سأل الناس؟
هل الأفضل أن يظل هذا العالم يبحث عن عمل، ويعمل حتى يحصل على المال المطلوب كل فترة، علما بأن ذلك لا شك سيؤثر كثيرا على النتائج التي قد يحققها؛ لأن العمل سيأخذ جزءا كبيرا من وقته وجهده، وربما مع ذلك العمل لا يحقق كل المال المطلوب، أم الأفضل أن يتصل بشخص مسلم غني لكي يمده بالمال، وأن الصواب أنه ينبغي للمسلمين أن يتعاونوا لنصرة الإسلام؛ العالم بعلمه والغني بماله؟
علما بأنه لن يستخدم المال في أكله وشربه وملبسه وهكذا، وإنما للقيام بالتجارب والدراسة، وكل ما يتعلق بتحقيق النتائج العلمية فقط.

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فالحال الذي ذكره السائل لا نراه داخلا في المذموم من أحوال سؤال الناس أموالهم، فإن المذموم إنما هو من يسأل لمصلحة نفسه من غير حاجة، ولا ريب في أن هذا يختلف عمن سأل للقيام بنفع أمته، والسعي لمصلحة عامة. وهذا أولى بالتفريق بينه وبين السؤال المذموم، من السؤال لمصلحة خاصة لآحاد الناس، كمن يسأل ليطعم فقيرا محتاجا.

وقد ذكر الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) ذم السؤال للمال، وطرفا من أدلته، كقوله تعالى: يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا [البقرة: 273] وحديث: لا تزال المسألة بالعبد حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم. وحديث: إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة: لذي فقر مدقع، أو غرم مفظع، أو جائحة ... ثم قال: تنبيه: جميع ما تقدم فيما سأل لنفسه، وأما إذا سأل لغيره فالذي يظهر أيضا أنه يختلف باختلاف الأحوال. اهـ.

ومن جهة أخرى، فإن ما ذكره السائل أولى بالاستثناء والمراعاة ممن تحمل الحمائل المذكورة في حديث: إن الصدقة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو سدادا من عيش ... الحديث. رواه مسلم. قال النووي ما حاصله: الحمالة -بالفتح- هو المال الذي يتحمّله الإنسان، أي يستدينه ويدفعه في إصلاح ذات البين، كالإصلاح بين قبيلتين، ونحو ذلك، وإنما تحلّ له المسألة، ويعطى من الزكاة بشرط أن يستدينه لغير معصية. اهـ.

وقال الشوكاني: قد كانت العرب إذا وقعت بينهم فتنة اقتضت غرامة في دية، أو غيرها، قام أحدهم، فتبرّع بالتزام ذلك، والقيام به حتى ترتفع تلك الفتنة الثائرة، ولا شكّ أن هذا من مكارم الأخلاق، وكانوا إذا علموا أن أحدهم تحمّل حَمَالةً بادروا إلى معونته، وأعطوه ما تبرأ به ذمّته، وإذا سأل لذلك لم يُعَدَّ نقصًا في قدره، بل فخرًا. اهـ.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

المكتبة

عضوية الموقع

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق: