الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أُعطيَتْ مالا لتصرفه على يتامى فأخذت منه لنفسها فلمن ترده لتَبَرَأَ ذمتُها؟

السؤال

أود السؤال عن ذنب عظيم قمت به، ولم أعرف كيف أكفِّر عنه: كانت هناك بعض المبالغ المالية تصل إليَّ بشكل شهري، لأعطيها لبعض الأيتام، فأحيانا أقوم بتوصيلها، وأحيانا أتصرف فيها؛ نظرا لحالتي المادية المزرية آنذاك، بنية ردها، وبدأت الديون تتراكم شيئا فشيئا، ووضعي المالي لم يعرف نهائيا أي تحسن، وأشك، بل أنا متأكدة أن سبب تعاستي هي خيانة الأمانة، وأكثر من ذلك أكل مال اليتيم.
والآن أنا نادمة على جرمي هذا، وأود أداء ما عليَّ، والمشكلة هي أن هؤلاء الأيتام هناك منهم من توفي، ومنهم من كبر، ولم يعد بحاجة لأداء مستحقات الروضة التي كانت الصدقات المقدمة إليه لهذا الغرض، ومنهم من تحسنت حالته المادية، ومنهم من لا أعرف طريقه.
فهل يجب عليَّ أداء الدين لأصحابه تحديدا، أو يمكن أن أعطيه لأيتام آخرين بحاجة إليه، فقلبي يكاد ينفطر من الوجع والندم؟
وجزاكم الله خير الجزاء.

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

فما وقعت فيه ذنب عظيم، ففيه خيانة للأمانة، وأكل لمال الغير بالباطل، ومن وقع منه ذلك، فيجب عليه التوبة إلى الله تعالى.

وندمك دليل صادق على توبتك، فالندم توبة، كما صح بذلك الحديث، ولكن من شرط التوبة حين يكون الذنب متعلقًا بأكل حقوق الآخرين أن ترد حقوقهم إليهم. لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: على اليد ما أخذت حتى تؤديه. رواه أحمد والترمذي وغيرهما.

وأما كيفية رد حقوقهم: فالذي يظهر من السؤال أنك وكيلة عن المتبرعين في صرف تلك الأموال، ولست وكيلة عن اليتامى في قبضها بدلًا عنهم، وإذا كان هذا هو الواقع، فاليتامى الذين وُكِّلتِ في صرف الأموال إليهم لا يخلو حالهم من أمرين:
أولهما: أن يكون اليتامى غير معينين بأعيانهم وأسمائهم، وإنما بوصفهم يتامى يدرسون في الروضة -كما ذكرتِ- أي أن المتبرع أراد إنفاق المال على يتامى غير معينين، ولكن يدرسون في الروضة، وهذا هو الأقرب وفي هذه الحال يمكن صرف المال الذي أخذتيه في أي يتامى يدرسون في الروضة، وينطبق عليهم وصف الاستحقاق ومن باب أولى لوكانوا أشد حاجة وفقرا.

ثانيهما: أن يكون أولئك اليتامى الذين وكلت في صرف المال إليهم معينين بأسمائهم، واشترط المتبرعون الدفع إليهم في أحوال معينة، كالدفع إلى أحدهم حال فقره، أو حال دراسته في الروضة، أو قبل بلوغه، ففي هذه الحالة من لا يزال على تلك الصفة وجب عليك أن تدفعي له من المال بقدر ما أخذتِ، ومن كان منهم قد زالت عنه تلك الصفة، أو كان قد مات، فالواجب عليك رد المال إلى المتبرع، لأنك وكيلة عنه في صرف المال لأشخاص معينين موصوفين بوصف مقصود للمتبرع، وقد زال عنهم الوصف، ولم تصرفيه إليهم، فوجب رد المال إلى المتبرع.
هذا ما يظهر لنا في كيفية رد تلك الحقوق.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني