الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الرجوع إلى الله بعد التفريط في جنبه من أعظم المبشرات

السؤال

شيخنا الكريم .. ماهي نصيحتك لزوجة تخشى الله لدرجة أنني لا أنام الليل وأنا افكر بعذاب جهنم وما ضيعته في شبابي في طريق الشيطان .. فلقد كنت أحمل الخير في قلبي ولم أقم بفاحشة ولكن ما فعلته أكبر من الفاحشة وهو أنني كنت لا أصلي ولا أصوم إلا في أوقات ولم يحثني أحد في المنزل على الصلاة إلا نادرا وها أنا الآن في ندم كبير ولا أترك صلاني ليفرح بها الشيطان وأتمنى أشياء كثيرة وهي أن أكون من أهل الجنة الخالدين وأن أموت وأنا شهيدة وأن يرضى علي الجبار الكريم .. شيخنا دموعي لاتتوقف من الحزن وأنا أكتب لك فالندم في قلبي كبير وأماني في دخول الجنة والخلود فيها أكبر.. أرح قلبي من هموم الآخرة فلولا زوجي وابني لاعتكفت لله في غرفتي لعبادته وحده .. ولا حول ولا قوة إلا بالله.

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد: ‏

فلا شك أن التوبة الصادقة تجب ما قبلها، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، وما ذكر ‏من الخوف الشديد من الله، والندم على ما فات والبكاء من خشية الله، وتمني الشهادة ‏والخلود في الجنة أمور حسنة إذا أتبعت بفعل الحسنات، وترك السيئات، وعدم اليأس من ‏رحمة الله. قال تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ‏إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [الزمر:53] وحذرنا الله من اليأس ‏فقال: (يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ ‏رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) [يوسف:87] فالمسلم الحق هو الذي يجمع بين الخوف ‏والرجاء، فيرجو رحمة الله ويخشى عذابه، كما قال تعالى: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً ‏وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ‏إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) [الزمر:9]‏
ومن هنا فإننا ننصح الأخت الكريمة بالإكثار من ذكر الله فبذكره تطمئن القلوب، قال ‏تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [الرعد:28] ‏كما أنه يذهب الهم والغم والكرب ويؤنس في الوحشة، إلى غير ذلك من فضائل الذكر. ‏كما ننصح بتأمل سعة رحمة الله، وأن رحمته وسعت كل شيء، وأنه سبحانه غفور رحيم ‏لا يرد التائبين، سبحانه ما أحلمه! وما أكرمه! حليم كريم يتجاوز عن المسيء مهما عظم ‏دنبه إذا تاب و أناب، قال سبحانه في الحديث القدسي: "يا ابن آدم إنك ما دعوتني ‏ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان ‏السماء، ثم استغفرتني، غفرت لك، يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم ‏لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة" رواه الترمذي وقال: حديث حسن. قال ‏الإمام ابن رجب الحنبلي: وقوله: " إنك ما دعوتني ورجوتني، غفرت لك على ما كان ‏منك ولا أبالي" يعني: على كثرة ذنوبك وخطاياك، ولا يتعاظمني ذلك، ولا أستكثره، وفي ‏الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم عليه وسلم قال: " إذا دعا أحدكم فليعظم الرغبة، ‏فإن الله لا يتعاظمه شيء" رواه ابن حبان فذنوب العباد وإن عظمت فإن عفو الله ومغفرته ‏أعظم منها وأعظم، فهي صغيرة في جنب عفو الله ومغفرته. وفي صحيح الحاكم، عن ‏جابر أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقول: واذنوباه واذنوباه! مرتين أو ثلاثاً، ‏فقال له النبي صلى الله عليه وسلم :" قل" اللهم مغفرتك أوسع من ذنوبي، ورحمتك أرجى ‏عندي من عملي"، فقالها، ثم قال له: "عد" فعاد، ثم قال له: " عد" فعاد، فقال له: "قم" ‏فقد غفر الله لك". وفي هذا يقول بعضهم:
يا كبير الذنب عفو الله من ذنبك أكبر، أعظم ‏الأشياء في جنب عفو الله يصغر!. ( جامع العلوم والحكم 2/46).
وأخيراً: نقول للأخت ‏الكريمة طاعتك لزوجك وتربيتك لأبنك التربية الحسنة طاعتان عظيمتان لله سبحانه لا ‏يتعارضان مع التعبد لله سبحانه بأي وجه من الوجوه، فاحتسبي ذلك عند الله. نسأل الله ‏لك التوفيق.‏
والله أعلم.‏

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني