يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم
يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض هي مثل قوله : أخلد إلى الأرض يعني : الرضا بالدنيا [ ص: 206 ] إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم يقول : يهلككم بالعذاب ، ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا قال : إن هذا حين أمروا بغزوة مجاهد تبوك في الصيف حين طابت الثمار ، واشتهوا الظل ، وشق عليهم الخروج .
إلا تنصروه يعني : النبي صلى الله عليه وسلم فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا من مكة ثاني اثنين إذ هما في الغار وذلك أن قريشا اجتمعوا في دار الندوة ، فتآمروا بالنبي ، فاجتمع رأيهم على ما قال عدو الله أبو جهل ؛ وقد فسرنا ذلك في سورة الأنفال ، فأوحى الله -عز وجل- إليه ؛ فخرج هو وأبو بكر ليلا ؛ حتى انتهى إلى الغار ، فطلبه المشركون فلم يجدوه فطلبوا ، [ . . . ] وقد كان دخل الغار قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلمس الغار فنظر ما به ؛ لئلا يكون فيه سبع أو حية يقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه ، ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الغار ، وأخذت يمامة فوضعت على باب الغار فجعلا يستمعان وقع حوافر دواب المشركين في طلبهما ، فجعل أبو بكر يبكي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما يبكيك يا أبو بكر أبا بكر ؟ قال : أخاف أن يظهر عليك المشركون فيقتلوك ؛ فلا يعبد الله -عز وجل- بعدك أبدا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تحزن إن الله معنا وجعل يمسح الدموع عن خده أبو بكر فأنزل الله سكينته عليه .
قال الحسن : السكينة : الوقار .
قال : وهي من السكون ؛ المعنى : أنه ألقى في قلبه ما سكن به ، [ ص: 207 ] وعلم أنهم غير واصلين إليه محمد وأيده بجنود لم تروها يعني : الملائكة عند قتاله المشركين .