الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                معلومات الكتاب

                                                                                                                                بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

                                                                                                                                الكاساني - أبو بكر مسعود بن أحمد الكاساني

                                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                                ولو كانت الجارية زنت في يد الغاصب ثم ردها على المالك فحدث في يده ، ونقصها الضرب ضمن الغاصب الأكثر من نقصان الضرب ومما نقصها الزنا في قول أبي حنيفة عليه الرحمة ، وعندهما ليس عليه إلا نقصان الزنا .

                                                                                                                                ( وجه ) قولهما إن النقصان حصل في يد المالك بسبب آخر ، ولأبي حنيفة رحمه الله أن النقصان حصل بسبب كان في ضمان الغاصب فيضاف إلى حين وجود السبب في يد الغاصب بسبب وجد في يده وهو الضرب ، فلا يكون مضمونا على الغاصب ، كما لو حصل في يد المالك ، فأبو حنيفة رضي الله عنه نظر إلى وقت وجود السبب وهما نظرا إلى وقت ثبوت الحكم وهو النقصان .

                                                                                                                                ولهذا قال أبو حنيفة رحمه الله فيمن اشترى عبدا فوجده مباح الدم فقتل في يد المشتري : أنه ينتقض العقد ويرجع على البائع بكل القيمة ، وكذلك لو كان سارقا فقطع في يده رجع بنصف الثمن اعتبارا للسبب السابق ، وعندهما يقتصر الحكم على الحال ، ويكون في ضمان المشتري ، ويرجع على البائع بنقصان العيب ، فإن قيل كيف يضاف النقصان إلى سبب كان في ضمان الغاصب ، وذلك السبب لم يوجب ضربا جارحا فكيف يضاف نقصان الجرح إليه .

                                                                                                                                ولهذا قال أبو حنيفة رحمه الله في شهود الزنا : إذا رجعوا بعد إقامة الجلدات أنهم لا يضمنون بنقصان الجرح ; لأن شهادتهم لم توجب ضربا جارحا ، فلم يضف نقصان الجرح إليها كذا هذا ، قيل له : إن النقصان لا يضاف إلى السبب [ ص: 157 ] السابق ههنا ، كما لا يضاف إلى شهادة الشهود هناك ، إلا أنه وجب الضمان ههنا ; لأن وجوب ضمان الغصب لا يقف على الفعل فيستند الضرب إلى سبب كان في يد الغاصب ، ولا يستند إليه أثره ، فيصير كأنها ضربت في يد الغاصب فانجرحت عند الضرب لا بالضرب ، ولو كان كذلك لضمن الغاصب ، كذا هذا ، وإنما اعتبر الأكثر من نقصان الضرب ومن نقصان الزنا لما ذكرنا فيما تقدم أن النقصانين جميعا حصلا بسبب واحد ، فتعذر الجمع بين الضمانين ، فيجب الأكثر ، ويدخل الأقل فيه ، والله تعالى أعلم .

                                                                                                                                ولو كانت الجارية المغصوبة سرقت في يد الغاصب فردها على المالك فقطعت عنده ، يضمن الغاصب نصف قيمتها في قول أبي حنيفة رحمه الله ، وعندهما لا يضمن إلا نقصان السرقة والكلام في هذه المسألة في الطرفين جميعا على نحو الكلام في المسألة الأولى ، إلا أن أبا حنيفة رحمه الله اعتبر نقصان القطع ههنا ، ولم يعتبر نقصان عيب السرقة ، واعتبر نقصان عيب الزنا هناك ; لأن نقصان القطع يكون أكثر من نقصان السرقة ظاهرا وغالبا ، فدخل الأقل في الأكثر بخلاف نقصان عيب الزنا ; لأنه قد يكون أكثر من نقصان الضرب ; لذلك اختلف اعتباره والله سبحانه وتعالى أعلم ، ولو حمت الجارية المغصوبة في يد الغاصب فردها على المولى فماتت في يده من الحمى التي كانت في يد الغاصب لم يضمن الغاصب ، إلا ما نقصها الحمى في قولهم جميعا ; لأن الموت يحصل بالآلام التي لا تتحملها النفس وإنها تحدث شيئا فشيئا إلى أن يتناهى ، فلم يكن الموت حاصلا بسبب كان في ضمان الغاصب ، فلا يضمن إلا قدر نقصان الحمى ، ولو غصب جارية محمومة أو حبلى ، أو بها جراحة ، أو مرض آخر سوى الحمى فماتت من ذلك في يد الغاصب فهو ضامن لقيمتها وبها ذلك فرق بين هذا وبين ما إذا ماتت في يد المولى بحبل كان في يد الغاصب ، حيث جعل هنالك موتها في يد المالك كموتها في يد الغاصب ، ولم يجعل ههنا موتها في يد الغاصب كموتها في يد المالك .

                                                                                                                                ( ووجه ) الفرق أن الهلاك هناك حصل بسبب كان في ضمان الغاصب وهو الحبل ; لأنه يفضي إليه فأضيف إليه كأنه حصل في يده ، فتبين أن الرد لم يصح لعدم شرط الصحة على ما بينا ، والهلاك ههنا إن حصل بسبب كان في يد المولى لكن لم يحصل بسبب كان في ضمانه ; لأن الحبل لم يكن مضمونا عليه .

                                                                                                                                فإذا غصبها فقد صارت مضمونة بالغصب ; لأن انعقاد سبب الهلاك لا يمنع دخولها في ضمان الغاصب ; لأن وجوب ضمان الغصب لا يقف على فعل الغاصب ، فإذا هلك في يده تقرر الضمان لكن منقوصا بما بها من المرض ونحوه ; لأنها لم تدخل في ضمان الغصب إلا كذلك والله سبحانه وتعالى أعلم وعلى هذا يخرج ما إذا غصب جارية سمينة فهزلت في يد الغاصب أن عليه نقصان الهزال ، ولو عادت سمينة في يده فردها لا شيء عليه ; لأن نقصان الهزال انجبر بالسمن فصار كأن لم يكن أصلا ، وكذا إذا قلعت سنها في يده فنبتت فردها ; لأنها لما نبتت ثانيا جعل كأنها لم تقلع ، وكذا إذا قطعت يدها في يده فردها مع الأرش لما قلنا ، والله سبحانه وتعالى أعلم وعلى هذا يخرج نقصان الولادة أنه مضمون على الغاصب لفوات جزء من المغصوب بالولادة ، إلا إذا كان له جابر فينعدم الفوات من حيث المعنى .

                                                                                                                                وجملة الكلام في الجارية المغصوبة إذا نقصتها الولادة أن الأمر لا يخلو إما أن كان الأم أو الولد جميعا قائمين في يد الغاصب ، وإما أن هلكا جميعا في يده ، وإما أن هلك أحدهما وبقي الآخر ، فإن كانا قائمين ردهما على المغصوب منه ، ثم ينظر إن كان في قيمة الولد وفاء لنقصان الولادة انجبر به ولا شيء على الغاصب ، وإن لم يكن في قيمته وفاء بالنقصان انجبر بقدره وضمن الباقي استحسانا ، وهو قول أصحابنا الثلاثة رضي الله عنهم ، والقياس أن لا يجوز وهو قول زفر والشافعي رحمهما الله ، ولو لم يكن في الولد وفاء بالنقصان وقت الرد ، ثم حصل به وفاء بعد الرد ، لم يعتبر ذلك ; لأن الزيادة لم تحصل في ضمان الغاصب ، فلا تصلح لجبر النقصان ، وقالوا : إن نقصان الحبل على هذا الخلاف ، بأن غصب جارية حائلا فحملت في يد الغاصب فردها إلى المالك فولدت عنده ، ونقصتها الولادة .

                                                                                                                                وفي الولد وفاء لا يضمن الغاصب شيئا ، خلافا لزفر رحمه الله ، وعلى هذا الخلاف إذا بيعت بيعا فاسدا وهي حامل فولدت في يد المشتري ونقصتها الولادة وفي الولد وفاء فرد المشتري الجارية مع الولد إلى البائع لا يضمن شيئا خلافا لزفر ، وعلى هذا الخلاف إذا كان له جارية للتجارة ، فحال عليها الحول وقيمتها ألف درهم ، فولدت فنقصتها الولادة مائتي درهم ، وفي الولد وفاء بالنقصان أنه يبقى الواجب في جميع الألف ولا يسقط منه شيء ، وعند [ ص: 158 ] زفر رحمه الله يبقى فيما وراء النقصان ويسقط بقدره .

                                                                                                                                ( وجه ) قول زفر رحمه الله في مسألة الغصب أنه وجد سبب وجوب الضمان وهو النقصان ، فيجب الضمان جبرا له ; لأن ضمان الغصب ضمان جبر الفائت ، وقد حصل الفوات ، فلا بد له من جابر والولد لا يصلح جابرا له ; لأن الفائت ملك المغصوب منه والولد ملكه أيضا ، ولا يعقل أن يكون ملك الإنسان جابرا لملكه فلزم جبره بالضمان .

                                                                                                                                ( ولنا ) أن هذا نقصان صورة لا معنى ، فلا يكون مضمونا كنقصان السن والسمن والقطع ، وقد مر ، والدليل على أن هذا ليس نقصانا معنى : أن سبب الزيادة والنقصان واحد وهو الولادة ، واتحاد سبب الزيادة والنقصان يمنع تحقق النقصان من حيث المعنى ; لأن الزيادة مال متقوم مثل الفائت ، فالسبب الذي فوت أفاد له مثله من حيث المعنى ، فلم يحصل الفوات إلا من حيث الصورة ، والصورة غير مضمونة بالقيمة في ضمان العدوان .

                                                                                                                                وقد خرج الجواب عن قوله أن جبر ملكه بملكه غير معقول ; لأن ما ذكرنا يمنع تحقق النقصان من حيث المعنى فيمتنع تحقق الفوات من حيث المعنى فلا حاجة إلى الجابر ، وإن هلكا جميعا في يد الغاصب ضمن قيمة الأم يوم غصب ; لتحقق الغصب فيها ، ولم يضمن قيمة الولد عندنا ; لأنه غير مغصوب ، وعند الشافعي رحمه الله يضمن لوجود الغصب فيه ، وقد مرت المسألة في صدر الكتاب ، وإن كان الغاصب قتل الولد ، أو باعه ضمن قيمته مع قيمة أمه ; لأن الولد إن كان أمانة في يد الغاصب عندنا فالأمانة تصير مضمونة بوجود سبب الضمان فيها ، وقد وجد على ما بينا فيما تقدم ، فإن كانت قيمة الأم ألف درهم فنقصتها الولادة مائة درهم والولد يساوي مائتين ضمن قيمة الأم يوم الغصب ألف درهم ، وضمن من الولد نصف قيمته مائة درهم ، يدخل ذلك النصف في قيمة الأم ، وإن شئت ضمنته قيمة الأم يوم ولدت وقيمة الولد بأمه ، وكل ذلك سواء ; لأن النقصان إذا انجبر بالولد كان الواجب من الضمان في الحاصل ألفا ومائة ، فإن اعتبرت قيمة الأم تامة بقي نصف قيمة الولد ، وإن اعتبرت قيمة الأم تسعمائة بقي كل قيمة الولد ، وإن هلك أحدهما وبقي الآخر ، فإن هلك الولد قبل الرد رد الأم وضمن نقصان الولادة ، وليس عليه ضمان الولد عندنا ; لأنه هلك أمانة فإن هلكت الأم وبقي الولد ضمن قيمة الأم يوم غصب ورد الولد ولا تجبر الأم بالولد .

                                                                                                                                وإن كان في قيمة الولد وفاء بقيمة الأم بخلاف ضمان النقصان أنه يجبر بالولد ; لأن الجبر هناك لاتحاد سبب النقصان والزيادة وهو الولادة ، ولم توجد ههنا ; لأن الولادة سبب لحصول الولد وليست سببا لهلاك الأم ; لأنها لا تفضي إلى الهلاك غالبا ، فلم يتحد السبب فيتعذر الجبر والله سبحانه وتعالى أعلم وعلى هذا يخرج ما إذا غصب ثوبا فقطعه ولم يخطه أن للمغصوب منه أن يضمنه النقصان غير أن النقصان إن كان يسيرا لا خيار للمغصوب منه ، وليس له ، إلا ضمان النقصان ; لأن ذلك نقص وتعييب فيوجب ضمان نقصان العيب ، وإن كان فاحشا بأن قطعه قباء ، أو قميصا فهو بالخيار إن شاء أخذه مقطوعا وضمنه ما نقصه القطع وإن شاء تركه عليه وضمنه قيمة ثوب غير مقطوع ; لأن القطع الفاحش يفوت بعض المنافع المطلوبة من الثوب ، ألا ترى أنه لا يصلح لما كان يصلح له قبل القطع ، فكان استهلاكا له من وجه فيثبت له الخيار ، وكذلك لوغصب شاة فذبحها ، ولم يشوها ولا طبخها ، فالمغصوب منه بالخيار إن شاء أخذ الشاة وضمنه نقصان الذبح ، وإن شاء تركها عليه وضمنه قيمتها يوم الغصب ، كذا ذكر في الأصل ، وسواء سلخها الغاصب وأربها أو لا ، بعد أن لم يكن شواها ولا طبخها ، وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله أنه إن شاء أخذ الشاة ولا شيء له غيرها ، وإن شاء ضمنه قيمتها يوم الغصب .

                                                                                                                                ( وجه ) هذه الرواية أن ذبح الشاة إن كان نقصانا صورة فهو زيادة من حيث المعنى ; لأن المقصود من الشاة اللحم ، والذبح وسيلة إلى هذا المقصود ، فلم يكن نقصانا ، بل كان زيادة حيث رفع عنه مؤنة الوسيلة ، فكان الغاصب محسنا في الذبح ، وقد قال الله تبارك وتعالى : { ما على المحسنين من سبيل } فإذا اختار أخذ اللحم لا يلزمه شيء آخر ، إلا أنه ثبت له خيار الترك عليه ، ويضمنه القيمة لفوات مقصود ما في الجملة .

                                                                                                                                ( وجه ) رواية الأصل أن الشاة كما يطلب منها اللحم يطلب منها مقاصد أخر من الدر والنسل والتجارة ، فكان الذبح تفويتا لبعض المقاصد المطلوبة منها ، فكان تنقيصا لها واستهلاكا من وجه ، فيثبت له خيار تضمين النقصان وخيار تضمين القيمة كما في مسألة الثوب .

                                                                                                                                وعلى هذا [ ص: 159 ] الأصل يخرج ما إذا غصب من إنسان عينا من ذوات القيم ، أو من ذوات الأمثال ، ونقلها إلى بلدة أخرى فالتقيا والعين في يد الغاصب ، وقيمتها في ذلك المكان أقل من قيمتها في مكان الغصب أن للمغصوب منه أن يطالبه في ذلك المكان بقيمتها التي في مكان الغصب ; لأنها قيم أعيان تختلف باختلاف الأماكن بالزيادة والنقصان ، فإذا نقلها إلى ذلك المكان وقيمتها فيه أقل من قيمتها في مكان الغصب فقد نقصها من حيث المعنى بالنقل ، فلو أجبر على أخذ العين لتضرر به من جهة الغاصب ، فيثبت له الخيار إن شاء طالبه بالقيمة التي في مكان الغصب ، وإن شاء انتظر العود إلى مكان الغصب ، بخلاف ما إذا وجده في البلد الذي غصبه فيه .

                                                                                                                                وقد انتقص السعر أنه لا يكون له خيار ; لأن النقصان هناك ما حصل بصنعه ; لأنه حصل بتغير السعر ولا صنع للعبد في ذلك ، بل هو محض صنع الله عز وجل أعني مصنوعه ، فلم يكن مضمونا عليه ، ولو كانت قيمة العين في المكان المنقول إليه مثل قيمتها في مكان الغصب ، أو أكثر ليس له ولاية المطالبة بالقيمة ; لأن الحكم الأصلي للغصب هو وجوب رد العين حال قيام العين ، والمصير إلى القيمة لدفع الضرر ، وههنا يمكن الوصول إلى العين من غير ضرر يلزمه ، فلا يملك العدول إلى القيمة ، ولو كان المغصوب دراهم أو دنانير فليس له أن يطالبه بالقيمة وإن اختلف السعر لأن الدراهم والدنانير جعلت أثمان الأشياء ، ومعنى الثمنية لا يختلف باختلاف الأماكن عادة ; لأنه ليس لها حمل ومؤنة لعزتها وقلتها عادة ، فلم يكن النقل نقصانا لها باختلاف الأماكن للحاجة إلى الحمل والمؤنة ، ولم يوجد ، فلم يكن له ولاية المطالبة بالقيمة ، وله أن يطالبه برد عينها ; لأنه هو الحكم الأصلي للغصب .

                                                                                                                                والمصير إلى القيمة لعارض العجز أو الضرر ، ولم يوجد هذا إذا كانت العين المغصوبة قائمة في يد الغاصب ، فأما إذا كانت هالكة فالتقيا ، فإن كانت من ذوات القيم أخذ قيمتها التي كانت وقت الغصب ; لأنها إذا هلكت تبين أن الغصب السابق وقع إتلافا من حين وجوده ، والحكم يثبت من حين وجود سببه ، وإن كان من ذوات الأمثال ، ينظر إن كان سعرها في المكان الذي التقيا فيه أقل من سعرها في مكان الغصب ، فالمغصوب منه بالخيار إن شاء أخذ القيمة التي للعين في مكان الغصب ، وإن شاء انتظر ولا يجبر على أخذ المثل في هذا المكان ; لما ذكرنا أنه نقص العين بالنقل إلى هذا المكان ; لما بينا أن اختلاف قيمة الأشياء التي لها حمل ومؤنة يختلف باختلاف المكان لمكان الحمل والمؤنة ، فالجبر على الأخذ في هذا المكان يكون إضرارا به ، فيثبت له الخيار إن شاء أخذ القيمة ، وإن شاء انتظر ، كما لو كانت العين قائمة ، وقيمتها في هذا المكان أقل وإن كانت قيمتها في هذا المكان مثل قيمتها في مكان الغصب كان للمغصوب منه أن يطالبه بالمثل ; لأنه لا ضرر فيه على أحد ، وإن كانت قيمتها في مكان الخصومة أكثر من قيمتها في مكان الغصب ، فالغاصب بالخيار إن شاء أعطى المثل في مكان الخصومة ، وإن شاء أعطى القيمة في مكان الغصب ; لأن في إلزام تسليم المثل في مكان الخصومة ضررا بالغاصب ، وفي التأخير إلى العود إلى مكان الغصب ضررا بالمغصوب منه ، فيسلم إليه في هذا المكان القيمة التي له في مكان الغصب ، إلا أن يرضى المغصوب منه بالتأخير والله سبحانه وتعالى أعلم وإن كان المغصوب من أموال الربا لا يجوز بيعه بجنسه متفاضلا كالمكيلات والموزونات ، فانتقص في يد الغاصب بصنعه ، أو بغير صنعه ، فليس للمغصوب منه أن يأخذ منه ويضمنه قيمة النقصان ; لأنه يؤدي إلى الربا ، وعلى هذا يخرج ما إذا غصب حنطة فعفنت في يد الغاصب ، أو ابتلت ، أو صب الغاصب فيها ماء فانتقصت قيمتها أن صاحبها بالخيار .

                                                                                                                                إن شاء أخذها بعينها ولا شيء له غيرها ، وإن شاء تركها على الغاصب وضمنه مثل ما غصبت ، وليس له أن يأخذها ويضمنه النقصان ، وهذا عندنا ، وعند الشافعي رحمه الله له ذلك بناء على أن الجودة بانفرادها لا قيمة لها في أموال الربا عندنا ، وعنده لها قيمة ، والمسألة مرت في كتاب البيوع ، وإذا لم تكن متقومة لا تكون مضمونة ; لأن المضمون هو المال المتقوم ، ولأنها إذا لم تكن متقومة تؤدي إلى الربا ، ولو غصب درهما صحيحا ، أو دينارا صحيحا فانكسر في يده ، أو كسره إن كان في موضع لا يتفاوت الصحيح والمكسر في القيمة لا شيء على الغاصب ، وإن كان في موضع يتفاوت فصاحبها بالخيار ، إن شاء أخذه بعينه ولا شيء له غيره وإن شاء تركه عليه وضمنه مثل ما أخذ ، وليس له أن يأخذه بعينه ويضمنه [ ص: 160 ] النقصان عندنا خلافا للشافعي رحمه الله بناء على الأصل الذي ذكرنا ، وإن كان المغصوب إناء فضة ، أو ذهب فانهشم في يد الغاصب ، أو هشمه ، فالمالك بالخيار إن شاء أخذه بعينه ولا شيء له غيره ، وإن شاء ضمنه قيمته من خلاف الجنس ; لأن الجودة لا قيمة لها بانفرادها ، فأما مع الأصل فمتقومة ، خصوصا إذا حصلت بصنع العباد ، فلا بد من التضمين ، والتضمين بالمثل غير ممكن ; لأنه لا مثل له فوجب التضمين بالقيمة ، ثم لا سبيل إلى تضمينه بجنسه ; لأنه يؤدي إلى الربا فلزم تضمينه بخلاف جنسه بخلاف الدراهم والدنانير ; لأن هناك إيجاب المثل ممكن وهو الأصل في الباب ، فلا يعدل عن الأصل من غير ضرورة .

                                                                                                                                ولو قضى عليه بالقيمة من خلاف الجنس ، ثم تفرقا قبل التقابض من الجانبين لا يبطل القضاء عند أصحابنا الثلاثة رضي الله عنهم ; لأن القيمة قامت مقام العين ، وعند زفر رحمه الله يبطل ; لأنه صرف ، وكذلك آنية الصفر والنحاس والشبة والرصاص إن كانت تباع وزنا فهي وآنية الذهب والفضة سواء ; لأنها إذا كانت تباع وزنا لم تخرج بالصناعة عن حد الوزن ، فكانت موزونة ، فكانت من أموال الربا كالذهب والفضة ، فإذا انهشمت في يد الغاصب نفسه أو غيره ، فحدث فيها عيب فاحش أو يسير إن شاء أخذه كذلك ولا شيء له غيره ، وإن شاء تركه عليه بالقيمة من الدراهم والدنانير ولا يكون التقابض فيه شرطا بالإجماع ، وكذلك هذا الحكم في كل مكيل وموزون إذا نقص من وصفه لا من الكيل والوزن ، وإن كانت تباع عددا فانكسرت أو كسرت إن كان ذلك لم يورث فيه عيبا فاحشا ، فليس لصاحبه فيه خيار الترك ، ولكنه يأخذها ويضمنه نقصان القيمة ، وإن كان أورث عيبا فاحشا فصاحبها بالخيار إن شاء أخذها وأخذ قيمة النقصان .

                                                                                                                                وإن شاء تركها عليه وضمنه قيمتها صحيحا ، وعلى هذا يخرج ما إذا غصب عصيرا فصار خلا في يده ، أو لبنا حليبا فصار مخيضا ، أو عنبا فصار زبيبا ، أو رطبا فصار تمرا أن المغصوب منه بالخيار إن شاء أخذ ذلك الشيء بعينه ولا شيء له غيره ; لأن هذه من أموال الربا ، فلم تكن الجودة فيها بانفرادها متقومة ، فلا تكون متقومة ، وإن شاء تركه على الغاصب وضمنه مثل ما غصب لما ذكرنا فيما تقدم وأما طريق معرفة النقصان فهو أن يقوم صحيحا ويقوم وبه العيب ، فيجب قدر ما بينهما ; لأنه لا يمكن معرفة قدر النقصان ، إلا بهذا الطريق ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

                                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                                الخدمات العلمية