الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                معلومات الكتاب

                                                                                                                                بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

                                                                                                                                الكاساني - أبو بكر مسعود بن أحمد الكاساني

                                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                                وأما الذي يتعلق بحال زيادة المغصوب : فنقول وبالله التوفيق : إذا حدثت زيادة في المغصوب في يد الغاصب ، فالزيادة لا تخلو إما أن كانت منفصلة عن المغصوب ، وإما أن كانت متصلة به فإن كانت منفصلة عنه أخذها المغصوب منه مع الأصل ولا شيء عليه للغاصب ، سواء كانت متولدة من الأصل كالولد والثمرة واللبن والصوف ، أو ما هو في حكم المتولد كالأرش والعقر ، أو غير متولدة منه أصلا كالكسب من الصيد والهبة والصدقة ونحوها ; لأن المتولد منها نماء ملكه ، فكان ملكه ، وما هو في حكم المتولد بدل جزء مملوك ، أو بدل ما له حكم الجزء ، فكان مملوكا له وغير المتولد كسب ملكه ، فكان ملكه .

                                                                                                                                وأما بدل المنفعة وهو الأجرة بأن آجر الغاصب المغصوب يملكه الغاصب عندنا ، ويتصدق به خلافا للشافعي رحمه الله بناء على أن المنافع ليست بأموال متقومة بأنفسها عندنا ، حتى لا تضمن بالغصب والإتلاف وإنما يتقوم بالعقد وإنه وجد من الغاصب ، وعنده هي أموال متقومة بأنفسها مضمونة بالغصب والإتلاف كالأعيان ، وقد ذكرنا المسألة فيما تقدم والله سبحانه وتعالى أعلم وإن كانت متصلة به فإن كانت متولدة كالحسن والجمال والسمن والكبر ونحوها أخذها المالك مع الأصل ولا شيء عليه للغاصب ; لأنها نماء ملكه ، وإن كانت غير متولدة منه ينظر ، إن كانت الزيادة عين مال متقوم قائم في المغصوب وهو تابع للمغصوب ، فالمغصوب منه بالخيار على ما نذكر إن شاء الله تعالى ، وإن لم تكن عين مال متقوم قائم أخذها المغصوب منه ولا شيء للغاصب وإن كانت عين مال متقوم ولكنه ليس ببيع للمغصوب ، بل هي أصل بنفسها ، تزول عن ملك المغصوب منه وتصير ملكا للغاصب للضمان ، وبيان هذا في مسائل إذا غصب من إنسان ثوبا فصبغه الغاصب بصبغ نفسه ، فإن صبغه أحمر ، أو أصفر بالعصفر والزعفران وغيرهما من الألوان سوى السواد ، فصاحب الثوب بالخيار إن شاء أخذ الثوب من الغاصب وأعطاه ما زاد الصبغ فيه ، أما ولاية أخذ الثوب ; فلأن الثوب ملكه لبقاء اسمه ومعناه .

                                                                                                                                وأما ضمان ما زاد الصبغ فيه ; فلأن للغاصب عين مال متقوم قائم ، فلا سبيل إلى إبطال [ ص: 161 ] ملكه عليه من غير ضمان ، فكان الأخذ بضمان رعاية للجانبين ، وإن شاء ترك الثوب على الغاصب وضمنه قيمة ثوبه أبيض يوم الغصب ; لأنه لا سبيل إلى جبره على أخذ الثوب ، إذ لا يمكنه أخذه إلا بضمان وهو قيمة ما زاد الصبغ فيه .

                                                                                                                                ولا سبيل إلى جبره على الضمان لانعدام مباشرة سبب وجوب الضمان منه وقيل له خيار ثالث وهو أن له ترك الثوب على حاله ، وكان الصبغ فيه للغاصب فيباع الثوب ويقسم الثمن على قدر حقهما ، كما إذا انصبغ لا بفعل أحد ; لأن الثوب ملك المغصوب منه والصبغ ملك الغاصب والتمييز متعذر ، فصارا شريكين في الثوب فيباع الثوب ويقسم الثمن بينهما على قدر حقهما ، وإنما كان الخيار للمغصوب منه لا للغاصب ، وإن كان للغاصب فيه ملك أيضا وهو الصبغ ; لأن الثوب أصل والصبغ تابع له ، فتخيير صاحب الأصل أولى من أن يخير صاحب التبع ، وليس للغاصب أن يحبس الثوب بالعصفر ; لأنه صاحب تبع ، وإن صبغه أسود اختلف فيه ، قال أبو حنيفة رحمه الله : صاحب الثوب بالخيار إن شاء تركه على الغاصب وضمنه قيمة ثوبه أبيض ، وإن شاء أخذ الثوب ولا شيء للغاصب ، بل يضمنه النقصان ، وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله : السواد وسائر الألوان سواء ، وهذا بناء على أن السواد نقصان عند أبي حنيفة رضي الله عنه ; لأنه يحرق الثوب فينقصه ، وعندهما زيادة كسائر الألوان .

                                                                                                                                وقيل إنه لا خلاف بينهم في الحقيقة ، وجواب أبي حنيفة رحمه الله في سواد ينقص وجوابهما في سواد يزيد ، وقيل كان السواد يعد نقصانا في زمنه ، وزمنهما كان يعد زيادة ، فكان اختلاف زمان والله سبحانه وتعالى أعلم وأما العصفر إذا نقص الثوب بأن كانت قيمة الثوب ثلاثين فعادت قيمته بالصبغ إلى عشرين فإنه ينظر إلى قدر ما يزيد هذا الصبغ لو كان في ثوب يزيد هذا الصبغ قيمته ولا ينقص ، فإن كان يزيده قدر خمسة دراهم ، فصاحب الثوب بالخيار إن شاء ترك الثوب على الغاصب وضمنه قيمة الثوب أبيض ثلاثين درهما ، وإن شاء أخذ الثوب وأخذ من الغاصب خمسة دراهم ، كذا قال محمد رحمه الله ; لأن العصفر نقص من هذا الثوب عشرة دراهم إلا أن يقدر خمسة فيه صبغ فانجبر نقصان الخمسة به ، أو صارت الخمستان قصاصا وبقي نقصان خمسة دراهم فيرجع عليه بخمسة ، وكذلك السواد على هذا والله سبحانه وتعالى أعلم .

                                                                                                                                ولو صبغ الثوب المغصوب بعصفر نفسه وباعه وغاب ، ثم حضر صاحب الثوب يقضي له بالثوب ويستوثق منه بكفيل أما القضاء بالثوب لصاحب الثوب ، فلما ذكرنا أن الثوب أصل والصبغ تابع له ، فكان صاحب الثوب صاحب أصل ، فكان اعتبار جانبه أولى .

                                                                                                                                وأما الاستيثاق بكفيل ; فلأن للغاصب فيه عين مال متقوم قائم ، ولو وقع الثوب المغصوب في صبغ إنسان فصبغ به ، أو هبت الريح بثوب إنسان فألقته في صبغ غيره فانصبغ به ، فإن كان الصبغ عصفرا أو زعفرانا ، فصاحب الثوب بالخيار إن شاء أخذ الثوب وأعطاه ما زاد الصبغ فيه لما مر ، وإن شاء امتنع لما ذكرنا أنه لا سبيل إلى جبره على الضمان ; لانعدام مباشرة سبب وجوب الضمان منه ، فيباع الثوب ، فيضرب كل واحد منهما بحقه فيضرب صاحب الثوب بقيمة ثوبه أبيض ; لأن حقه في الثوب الأبيض .

                                                                                                                                وصاحب الصبغ يضرب بقيمة الصبغ في الثوب وهو قيمة ما زاد الصبغ فيه ; لأن حقه في الصبغ القائم في الثوب لا في الصبغ المنفصل ، وإنما ثبت الخيار لصاحب الثوب لا للغاصب لما بينا ، وإن كان سوادا أخذه صاحب الثوب ولا شيء عليه من قيمة الصبغ ، بل يضمنه النقصان إن كان غاصبا ; لأن النقصان حصل في ضمانه ، وهذا قول أبي حنيفة رحمه الله ، وعندهما حكمه حكم سائر الألوان على ما بينا والله سبحانه وتعالى أعلم وكذلك السمن يخلط بالسويق المغصوب ، أو يخلط به ، فالسويق بمنزلة الثوب والسمن بمنزلة الصبغ ; لأن السويق أصل والسمن كالتابع له ، ألا ترى أنه يقال : سويق ملتوت ، ولا يقال : سمن ملتوت .

                                                                                                                                وأما العسل إذا خلط بالسمن ، أو اختلط به فكلاهما أصل .

                                                                                                                                وإذا خلط المسك بالدهن أو اختلط به ، فإن كان يزيد الدهن ويصلحه كان المسك بمنزلة الصبغ ، وإن كان دهنا لا يصلح بالخلط ولا تزيد قيمته كالأدهان المنتنة فهو هالك ولا يعتد به والله سبحانه وتعالى أعلم ولو غصب من إنسان ثوبا ومن إنسان صبغا فصبغه به ضمن لصاحب الصبغ صبغا مثل صبغه ; لأنه أتلف عليه صبغه وهو من ذوات الأمثال ، فيكون مضمونا بالمثل فبعد ذلك حكمه [ ص: 162 ] وحكم ما إذا صبغ الثوب المغصوب بصبغ نفسه سواء ; لأنه ملك الصبغ بالضمان ، وقد بينا ذلك ، ولو غصب من إنسان ثوبا ومن آخر صبغا فصبغه فيه ، ثم غاب ، ولم يعرف فهذا وما إذا انصبغ بغير فعل أحد سواء استحسانا ، والقياس أن لا يكون لصاحب الصبغ على صاحب الثوب سبيل .

                                                                                                                                ( وجه ) القياس ما ذكرنا أن الصبغ صار مضمونا عليه لوجود الإتلاف منه ، فملكه بالضمان وزال عنه ملك صاحبه .

                                                                                                                                ( وجه ) الاستحسان أنه إذا غاب الغاصب على وجه لا يعرف لا يمكن اعتبار فعله في إدارة الحكم عليه ، فيجعل كأنه حصل لا بصبغ أحد ، ولو غصب ثوبا وعصفرا من رجل واحد فصبغه به ، فالمغصوب منه يأخذ الثوب مصبوغا ويبرئ الغاصب من الضمان في العصفر والثوب استحسانا ، والقياس أن يضمن الغاصب عصفرا مثله ثم يصير كأنه صبغ ثوبه بعصفر نفسه ، فيثبت الخيار لصاحب الثوب لما ذكرنا أنه أتلف عليه عصفره وملكه بالضمان ، فهذا رجل صبغ ثوبا بعصفر نفسه فيثبت الخيار لصاحب الثوب .

                                                                                                                                ( وجه ) الاستحسان أن المغصوب منه واحد فالغاصب خلط مال المغصوب منه بماله ، وخلط مال الإنسان بماله لا يعد استهلاكا له بل يكون نقصانا ، فإذا اختار أخذ الثوب فقد أبرأه عن النقصان ، ولو كان العصفر لرجل والثوب لآخر فرضيا أن يأخذاه ، كما يأخذ الواحد أن لو كانا له فليس لهما ذلك ; لأن المالك ههنا اختلف ، فكان الخلط استهلاكا والله سبحانه وتعالى أعلم .

                                                                                                                                ولو غصب إنسان عصفرا وصبغ به ثوب نفسه ضمن عصفرا مثله ; لأنه استهلك عليه عصفره وله مثل فيضمن مثله ، وليس لصاحب العصفر أن يحبس الثوب ; لأن الثوب أصل والعصفر تبع له والسواد في هذا بمنزلة العصفر في قول أبي حنيفة رضي الله عنه أيضا ; لأن هذا ضمان الاستهلاك ، والألوان كلها في حكم ضمان الاستهلاك سواء والله سبحانه وتعالى أعلم ولو غصب دارا فجصصها ، ثم ردها قيل لصاحبها : أعطه ما زاد التجصيص فيها ، إلا أن يرضى صاحب الدار أن يأخذ الغاصب جصه ; لأن للغاصب فيها عين مال متقوم قائم وهو الجص ، فلا يجوز إبطال حقه عليه من غير عوض فيخير صاحب الدار ; لأنه صاحب أصل فإن شاء أخذها وغرم للغاصب ما زاد التجصيص فيها وإن شاء رضي بأن يأخذ جصه ، ولو غصب مصحفا فنقطه روي عن أبي يوسف رحمه الله أن لصاحبه أخذه ولا شيء عليه ، وقال محمد رحمه الله : صاحبه بالخيار إن شاء أعطاه ما زاد النقط فيه ، وإن شاء ضمنه قيمته غير منقوط .

                                                                                                                                ( وجه ) قوله أن النقط زيادة في المصحف ، فأشبه الصبغ في الثوب .

                                                                                                                                ( وجه ) ما روي عن أبي يوسف أن النقط أعيان لا قيمة لها ، فلم يكن للغاصب فيه عين مال متقوم قائم بقي مجرد عمله وهو النقط ومجرد العمل لا يتقوم إلا بالعقد ، ولم يوجد ولأن النقط في المصحف مكروه ، ألا ترى إلى ما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال { جردوا القرآن } ، وإذا كان التجريد مندوبا إليه كان النقط مكروها ، فلم يكن زيادة ، فكان لصاحب المصحف أخذه ، ولو غصب حيوانا فكبر في يده أو سمن ، أو ازدادت قيمته بذلك ، فلصاحبه أن يأخذه ولا شيء عليه للغاصب ; لأنه ليس للغاصب فيه عين مال متقوم قائم ، وإنما الزيادة نماء ملك المالك ، وكذلك لو غصب جريحا ، أو مريضا فداواه حتى برأ وصح لما قلنا ، ولا يرجع الغاصب على المالك بما أنفق ; لأنه أنفق على مال الغير بغير إذنه فكان متبرعا .

                                                                                                                                وكذلك لو غصب أرضا فيها زرع أو شجر فسقاه الغاصب وأنفق عليه ، حتى انتهى بلوغه ، وكذلك لو كان نخلا أطلع فأبره ولقحه وقام عليه فهو للمغصوب منه ولا شيء للغاصب فيما أنفق لما قلنا ، ولو كان حصد الزرع فاستهلكه ، أو جذ من الثمر شيئا ، أو جز الصوف ، أو حلب كان ضامنا ; لأنه أتلف مال الغير بغير إذنه فيضمن ، ولو غصب ثوبا ففتله ، أو غسله ، أو قصره فلصاحبه أن يأخذه ولا شيء للغاصب ; لأنه ليس للغاصب عين مال متقوم قائم فيه ، أما الفتل فإنه تغيير الثوب من صفة إلى صفة .

                                                                                                                                ( وأما ) الغسل فإنه إزالة الوسخ عن الثوب وإعادة له في الحالة الأولى ، والصابون أو الحرض فيه يتلف ولا يبقى .

                                                                                                                                وأما القصارة فإنها تسوية أجزاء الثوب ، فلم يحصل في المغصوب زيادة عين مال متقوم قائم فيه ، ولو غصب من مسلم خمرا فخللها فلصاحبها أن يأخذ الخل من غير شيء ; لأن الخل ملكه ; لأن الملك كان ثابتا له في الخمر ، وإذا صار خلا حدث الخل على ملكه ، وليس للغاصب فيه عين مال متقوم قائم ; لأن الملح الملقى في الخمر يتلف فيها ، فصار كما لو تخللت بنفسها في يده ، ولو كان كذلك لأخذه من غير شيء كذا [ ص: 163 ] هذا وقيل موضوع المسألة أنه خللها بالنقل من الظل إلى الشمس لا بشيء له قيمة وهو الصحيح ، وعلى هذا يخرج ما إذا غصب جلد ميتة ودبغه أنه إن دبغه بشيء لا قيمة له كالماء والتراب والشمس كان لصاحبه أن يأخذه ولا شيء عليه للغاصب ; لأن الجلد كان ملكه وبعدما صار مالا بالدباغ بقي على حكم ملكه .

                                                                                                                                وليس لصاحبه فيه عين مال متقوم قائم إنما فيه مجرد فعل الدباغ ، ومجرد العمل لا يتقوم ، إلا بالعقد ، ولم يوجد هذا إذا أخذه من منزله فدبغه فأما إذا كانت الميتة ملقاة على الطريق فأخذ جلدها فدبغه فلا سبيل له على الجلد ; لأن الإلقاء في الطريق إباحة للأخذ كإلقاء النوى وقشور الرمان على قوارع الطرق ، ولو هلك الجلد المغصوب بعد ما دبغه بشيء لا قيمة له لا ضمان عليه ; لأن الضمان لو وجب عليه إما أن يجب بالغصب السابق ، وإما أن يجب بالإتلاف لا سبيل إلى الأول ; لأنه لا قيمة له وقت الغصب ولا سبيل إلى الثاني ; لأنه لم يوجد الإتلاف من الغاصب ، وإن استهلكه يضمن بالإجماع ; لأنه كان ملكه قبل الدباغ وبعدما صار مالا بالدباغ بقي على حكم ملكه لا حق للغاصب فيه ، وإتلاف مال مملوك للغير بغير إذنه لا حق له فيه فيوجب الضمان .

                                                                                                                                ولو دبغه بشيء متقوم كالقرظ والعفص ونحوهما فلصاحبه أن يأخذه ويغرم له ما زاد الدباغ فيه ; لأنه ملك صاحبه ، وللغاصب فيه عين ملك متقوم قائم فلزم مراعاة الجانبين وذلك فيما قلنا ، وليس له أن يضمنه قيمة الجلد ; لأنه لو ضمنه قيمته لضمنه يوم الغصب ، ولم يكن له قيمة يوم الغصب ، ولو هلك في يده بعد ما دبغه لا ضمان عليه لما بينا ، ولو استهلكه فكذلك عند أبي حنيفة رضي الله عنه وذكر في ظاهر الرواية أن على قولهما يضمن قيمته مدبوغا ويعطيه المالك ما زاد الدباغ فيه ، وذكر الطحاوي رحمه الله في مختصره أن عندهما يغرم قيمته أن لو كان الجلد ذكيا غير مدبوغ .

                                                                                                                                ( وجه ) قولهما أنه أتلف مالا متقوما مملوكا بغير إذن مالكه فيوجب الضمان ، كما إذا دبغه بشيء لا قيمة له فاستهلكه ، وإنما قلنا ذلك ، أما المالية والتقوم فلأن الجلد بالدباغ صار مالا متقوما .

                                                                                                                                ( وأما ) الملك فلأنه كان ثابتا له قبل الدباغ ، وبعده بقي على حكم ملكه ; ولهذا وجب عليه الضمان فيما إذا دبغه بما لا قيمة له كذا هذا ، ولأبي حنيفة رضي الله عنه أن التقوم حدث بصنع الغاصب ، فلا يجب الضمان عليه ; لأن الأصل أن الحادث بفعل الإنسان يكون حقا له ، فلا يمكن إيجاب الضمان عليه فالتحق هذا الوصف بالعدم ، فكان هذا إتلاف مال لا قيمة له من حيث المعنى ، فلا يجب الضمان ، ولأن تقوم الجلد تابع لما زاد الدباغ فيه ; لأنه حصل بالدباغ وما زاد الدباغ مضمون فيه فكذا ما هو تابع له يكون ملحقا به ، والمضمون ببدل لا يضمن بالقيمة عند الإتلاف كالمبيع قبل القبض .

                                                                                                                                بخلاف ما إذا دبغه بشيء لا قيمة له ; لأن هناك ما زاد الدباغ فيه غير مضمون فلم يوجد الأصل ، فلا يلحق به غيره ، وإن كان الجلد ذكيا فدبغه فإن دبغه بما لا قيمة له ، فلصاحبه أن يأخذه ولا شيء عليه لما ذكرنا أنه ملك صاحبه ، وليس للغاصب فيه عين مال متقوم قائم ، وليس له أن يضمن الغاصب شيئا ; لأن الجلد قائم لم ينتقص ، ولو دبغه بما له قيمة ، فصاحبه بالخيار إن شاء ضمنه قيمته غير مدبوغ ، وإن شاء أخذه وأعطاه ما زاد الدباغ فيه لما ذكرنا في الثوب المغصوب إذا صبغه أصفر ، أو أحمر بصبغ نفسه ، ولو أن الغاصب جعل هذا الجلد أديما ، أو زقا ، أو دفترا ، أو جرابا ، أو فروا لم يكن للمغصوب منه على ذلك سبيل ; لأنه صار شيئا آخر حيث تبدل الاسم والمعنى ، فكان استهلاكا له معنى ، ثم إن كان الجلد ذكيا فله قيمته يوم الغصب ، وإن كان ميتة فلا شيء ، ولو غصب عصير المسلم فصار خمرا في يده ، أو خلا ضمن عصيرا مثله ; لأنه هلك في يده بصيرورته خمرا ، أو خلا ، والعصير من ذوات الأمثال فيكون مضمونا بالمثل ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

                                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                                الخدمات العلمية