الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                معلومات الكتاب

                                                                                                                                بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

                                                                                                                                الكاساني - أبو بكر مسعود بن أحمد الكاساني

                                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                                وكذا الذكر يقتل بالأنثى وإن كان أفضل من الأنثى ، وكذا لا تشترط المماثلة ، في العدد في القصاص في النفس ، وإنما تشترط في الفعل بمقابلة الفعل زجرا ، وفي الفائت بالفعل جبرا ، حتى لو قتل جماعة واحدا يقتلون به قصاصا وإن لم يكن بين الواحد والعشرة مماثلة لوجود المماثلة في الفعل ، والفائت به زجرا ، وجبرا على ما نذكره إن شاء الله تعالى وأحق ما يجعل فيه القصاص إذا قتل الجماعة الواحد ; لأن القتل لا يوجد عادة إلا على سبيل التعاون ، والاجتماع فلو لم يجعل فيه القصاص لانسد باب القصاص ; إذ كل من رام قتل غيره استعان بغير يضمه إلى نفسه ليبطل القصاص عن نفسه ، وفيه تفويت ما شرع له القصاص ، وهو الحياة ، هذا إذا كان القتل على الاجتماع ، فأما إذا كان على التعاقب بأن شق رجل بطنه ثم حز آخر رقبته فالقصاص على الحاز إن كان عمدا .

                                                                                                                                وإن كان خطأ فالدية على عاقلته ، لأنه هو القاتل لا الشاق ، ألا ترى أنه قد يعيش بعد شق البطن بأن يخاط بطنه ، ولا يحتمل أن يعيش بعد حز رقبته عادة ، وعلى الشاق أرش الشق ، وهو ثلث الدية ; لأنه جائفة ، وإن كان الشق نفذ من الجانب الآخر فعليه ثلثا الدية في سنتين ، في كل سنة ثلث الدية ، لأنهما جائفتان ، هذا إذا كان الشق مما يحتمل أن يعيش بعده يوما أو بعض يوم ، فأما إذا كان لا يتوهم ذلك ، ولم يبق معه إلا غمرات الموت ، والاضطراب فالقصاص على الشاق ، لأنه القاتل ، ولا ضمان على الحاز ، لأنه قتل المقتول من حيث المعنى ، لكنه يعزر لارتكابه جناية ليس لها مقدر ، وكذلك لو جرحه رجل جراحة مثخنة لا يعيش [ ص: 239 ] معها عادة ثم جرحه آخر جراحة أخرى فالقصاص على الأول ، لأنه القاتل ; لإتيانه بفعل مؤثر في فوات الحياة عادة ، فإن كانت الجراحتان معا فالقصاص عليهما ، لأنهما قاتلان .

                                                                                                                                ولو جرحه أحدهما جراحة واحدة ، والآخر عشر جراحات فالقصاص عليهما ، ولا عبرة بكثرة الجراحات ; لأن الإنسان قد يموت بجراحة واحدة ولا يموت بجراحات كثيرة ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

                                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                                الخدمات العلمية