الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                معلومات الكتاب

                                                                                                                                بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

                                                                                                                                الكاساني - أبو بكر مسعود بن أحمد الكاساني

                                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                                ( وأما ) بيان كيفية وجوب الدية فنقول : لا خلاف في أن دية الخطأ تجب مؤجلة على العاقلة في ثلاث سنين لإجماع الصحابة رضي الله عنهم على ذلك ، فإنه روي أن سيدنا عمر رضي الله عنه قضى بذلك بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم ، ولم ينقل أنه خالفه أحد فيكون إجماعا .

                                                                                                                                وتؤخذ من ثلاث عطايا إن كان القاتل من أهل الديوان ; لأن لهم في كل سنة عطية ، فإن تعجل العطايا الثلاث في سنة واحدة يؤخذ الكل في سنة واحدة ، وإن تأخرت يتأخر حق الأخذ ، وإن لم يكن من أهل الديوان تؤخذ منه ومن قبيلته من النسب في ثلاث سنين ، ولا خلاف في أن الدية بالإقرار بالقتل الخطأ تجب في ماله في ثلاث سنين ; لأن الإقرار بالقتل إخبار عن وجود القتل ، وإنه يوجب حقا مؤجلا تتحمله العاقلة ، إلا أنه لا يصدق على العاقلة فيجب مؤجلا في ماله ، واختلف في شبه العمد ، والعمد الذي دخلته شبهة ، وهو الأب إذا قتل ابنه عمدا ، قال أصحابنا رحمهم الله : إنها تجب مؤجلة في ثلاث سنين إلا أن دية شبه العمد تتحمله العاقلة ، ودية العمد في مال الأب .

                                                                                                                                وقال الشافعي رحمه الله : دية الدم كدية العمد تجب حالا وجه قوله أن سبب الوجوب وجد حالا فتجب الدية حالا ، إذ الحكم يثبت على وفق السبب هو الأصل ، إلا أن التأجيل في الخطأ ثبت معدولا به عن الأصل لإجماع الصحابة رضي الله عنهم أو يثبت معلولا بالتخفيف على القاتل حتى تحمل عنه العاقلة .

                                                                                                                                والعامد يستحق التغليظ ; ولهذا وجب في ماله لا على العاقلة .

                                                                                                                                ( ولنا ) أن وجوب الدية لم يعرف إلا بنص الكتاب العزيز ، وهو قوله [ ص: 257 ] تبارك وتعالى { ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله } والنص وإن ورد بلفظ الخطأ لكن غيره ملحق به ، إلا أنه مجمل في بيان القدر ، والوصف فبين عليه الصلاة والسلام قدر الدية بقوله عليه الصلاة والسلام { في النفس المؤمنة مائة من الإبل } وبيان الوصف وهو الأجل ثبت بإجماع الصحابة رضي الله عنهم بقضية سيدنا عمر رضي الله عنه بمحضر منهم فصار الأجل وصفا لكل دية وجبت بالنص ، وقوله : دية الخطأ وجبت بطريق التخفيف والعامد يستحق التغليظ ، قلنا : وقد غلظنا عليه من وجهين : أحدهما : بإيجاب دية مغلظة ، والثاني : بالإيجاب في ماله ، والجاني لا يستحق التغليظ من جميع الوجوه ، وكذلك كل جزء من الدية تتحمله العاقلة أو تجب في مال القاتل فذلك الجزء تجب في ثلاث سنين ، كالعشرة إذا قتلوا رجلا خطأ أو شبه عمد حتى وجبت عليهم دية واحدة ، فعاقلة كل واحد منهم تتحمل عشرها في ثلاث سنين .

                                                                                                                                وكذلك العشرة إذا قتلوا رجلا وأحدهم أبوه حتى وجبت عليهم دية واحدة في مالهم يجب على كل واحد منهم عشرها في ثلاث سنين ; لأن الواجب على كل واحد منهم جزء من دية مؤجلة في ثلاث سنين ، فكان تأجيل الدية تأجيلا لكل جزء من أجزائها إذ الجزء لا يخالف الكل في وصفه ، ولا خلاف في أن بدل الصلح عن دم العمد يجب في ماله حالا ; لأنه لم يجب بالقتل ، وإنما وجب بالعقد فلا يتأجل إلا بالشرط كثمن المبيع ونحو ذلك .

                                                                                                                                وكذلك العبد إذا قتل إنسانا خطأ واختار المولى الفداء يجب الفداء حالا ; لأن الفداء لم يجب بالقتل بدلا من القتيل ، وإنما وجب بدلا عن دفع العبد ، والعبد لو دفع يدفع حالا ، فكذلك بدله ، والله سبحانه وتعالى أعلم هذا إذا كان القاتل حرا ، والمقتول حرا .

                                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                                الخدمات العلمية