الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            المسألة التاسعة عشرة : اختلفوا في المراد من قوله تعالى : ( ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ) فذكروا وجوها :

                                                                                                                                                                                                                                            أحدها : أراد به قطيعة الرحم وحقوق القرابات التي أمر الله بوصلها ، وهو كقوله تعالى : ( فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم ) [ محمد : 22 ] وفيه إشارة إلى أنهم قطعوا ما بينهم وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - من القرابة ، وعلى هذا التأويل تكون الآية خاصة .

                                                                                                                                                                                                                                            وثانيها : أن الله تعالى أمرهم أن يصلوا حبلهم بحبل المؤمنين فهم انقطعوا عن المؤمنين واتصلوا بالكفار ، فذاك هو المراد من قوله : ( ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ) .

                                                                                                                                                                                                                                            وثالثها : أنهم نهوا عن التنازع وإثارة الفتن وهم كانوا مشتغلين بذلك .

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة العشرون : أما قوله تعالى : ( ويفسدون في الأرض ) فالأظهر أن يراد به الفساد الذي يتعدى دون ما يقف عليهم . والأظهر أن المراد منه الصد عن طاعة الرسول - عليه الصلاة والسلام - لأن تمام الصلاح في الأرض بالطاعة ؛ لأن بالتزام الشرائع يلتزم الإنسان كل ما لزمه ، ويترك التعدي إلى الغير ، ومنه زوال التظالم ، وفي زواله العدل الذي قامت به السماوات والأرض ، قال تعالى فيما حكى عن فرعون أنه قال : ( إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد ) [ غافر : 26 ] ، ثم إنه سبحانه وتعالى أخبر أن من فعل هذه الأفاعيل خاسر فقال : ( أولئك هم الخاسرون ) وفي هذا الخسران وجوه :

                                                                                                                                                                                                                                            أحدها : أنهم خسروا نعيم الجنة لأنه لا أحد إلا وله في الجنة أهل ومنزل ، فإن أطاع الله وجده ، وإن عصاه ورثه المؤمنون ، فذلك قوله تعالى : ( أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون ) [ المؤمنون : 10 : 11 ] ، وقال : ( إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ) [ الشورى : 45 ] .

                                                                                                                                                                                                                                            وثانيها : أنهم خسروا حسناتهم التي عملوها لأنهم أحبطوها بكفرهم فلم يصل لهم منها خير ولا ثواب ، والآية في اليهود ولهم أعمال في شريعتهم ، وفي المنافقين وهم يعملون في الظاهر ما يعمله المخلصون فحبط ذلك كله .

                                                                                                                                                                                                                                            وثالثها : أنهم إنما أصروا على الكفر خوفا من أن تفوتهم اللذات العاجلة ، ثم إنها تفوتهم إما عندما يصير الرسول - صلى الله عليه وسلم - مأذونا في الجهاد أو عند موتهم . وقال القفال رحمه الله تعالى : وبالجملة أن الخاسر اسم عام يقع على كل من عمل عملا لا يجزى عليه فيقال له خاسر ، كالرجل الذي إذا تعنى وتصرف في أمر فلم يحصل منه على نفع قيل له : خاب وخسر ؛ لأنه كمن أعطى شيئا ولم يأخذ بإزائه ما يقوم مقامه ، فسمى الكفار الذين يعملون بمعاصي الله خاسرين ، قال تعالى : ( إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) [ العصر : 2 ، 3 ] ، وقال : ( قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا ) [ الكهف : 103 ، 104 ] ، والله أعلم .

                                                                                                                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية