الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الثالثة : فهي في بيان الغرض من ذلك الخداع وفيه وجوه :

                                                                                                                                                                                                                                            الأول : أنهم ظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين يجرونهم في التعظيم والإكرام مجرى سائر المؤمنين إذا أظهروا لهم الإيمان وإن أسروا خلافه فمقصودهم من الخداع هذا .

                                                                                                                                                                                                                                            الثاني : يجوز أن يكون مرادهم إفشاء النبي صلى الله عليه وسلم إليهم أسراره ، وإفشاء المؤمنين أسرارهم فينقلونها إلى أعدائهم من الكفار .

                                                                                                                                                                                                                                            الثالث : أنهم دفعوا عن أنفسهم أحكام الكفار مثل القتل ، لقوله عليه الصلاة والسلام : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله " .

                                                                                                                                                                                                                                            الرابع : أنهم كانوا يطمعون في أموال الغنائم ، فإن قيل : فالله تعالى كان قادرا على أن يوحي إلى محمد صلى الله عليه وسلم كيفية مكرهم وخداعهم ، فلم لم يفعل ذلك هتكا لسترهم ؟ قلنا : إنه تعالى قادر على استئصال إبليس وذريته ولكنه تعالى أبقاهم وقواهم ، إما لأنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد أو لحكمة لا يطلع عليها إلا هو ، فإن قيل : هل للاقتصار بخادعت على واحد وجه صحيح ؟ قلنا : قال صاحب " الكشاف " : وجهه أن يقال : عنى به فعلت إلا أنه أخرج في زنة فاعلت ؛ لأن الزنة في أصلها للمبالغة ، والفعل متى غولب فيه فاعله جاء أبلغ وأحكم منه إذا زاوله وحده من غير مغالب لزيادة قوة الداعي إليه ، ويعضده قراءة أبي حيوة " يخدعون الله " ثم قال : ( يخادعون ) بيانا ليقول ، ويجوز أن يكون مستأنفا كأنه قيل : ولم يدعون الإيمان كاذبين ؟ وما نفعهم فيه ؟ فقيل ( يخادعون ) .

                                                                                                                                                                                                                                            [ ص: 58 ] المسألة الرابعة : قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو " وما يخادعون " والباقون " يخدعون " وحجة الأولين : مطابقة اللفظ حتى يكون مطابقا للفظ الأول ، وحجة الباقين أن المخادعة إنما تكون بين اثنين ، فلا يكون الإنسان الواحد مخادعا لنفسه ، ثم ذكروا في قوله : ( وما يخدعون إلا أنفسهم ) وجهين :

                                                                                                                                                                                                                                            الأول : أنه تعالى يجازيهم على ذلك ويعاقبهم عليه فلا يكونون في الحقيقة خادعين إلا أنفسهم ، عن الحسن .

                                                                                                                                                                                                                                            والثاني : ما ذكره أكثر المفسرين ، وهو أن وبال ذلك راجع إليهم في الدنيا ؛ لأن الله تعالى كان يدفع ضرر خداعهم عن المؤمنين ويصرفه إليهم ، وهو كقوله : ( إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم ) [النساء : 142] وقوله : ( إنما نحن مستهزئون الله يستهزئ بهم ) [البقرة : 14 ، 15] ( أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ) [البقرة : 13] ( ومكروا مكرا ومكرنا مكرا ) [النحل : 50] ( إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا ) [الطارق : 15 ، 16] ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ) [المائدة : 33] ( إن الذين يؤذون الله ورسوله ) [الأحزاب : 57] وبقي في الآية بعد ذلك أبحاث .

                                                                                                                                                                                                                                            أحدها : قرئ " وما يخدعون " من أخدع و " يخدعون " بفتح الياء بمعنى يختدعون " ويخدعون " و " يخادعون " على لفظ ما لم يسم فاعله .

                                                                                                                                                                                                                                            وثانيها : النفس ذات الشيء وحقيقته ، ولا تختص بالأجسام لقوله تعالى : ( تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك ) [المائدة : 116] والمراد بمخادعتهم ذواتهم أن الخداع لا يعدوهم إلى غيرهم .

                                                                                                                                                                                                                                            وثالثها : أن الشعور علم الشيء إذا حصل بالحس ، ومشاعر الإنسان حواسه ، والمعنى أن لحوق ضرر ذلك بهم كالمحسوس ، لكنهم لتماديهم في الغفلة كالذي لا يحس .

                                                                                                                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية