الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            جزء صفحة
                                                                                                                                            ( 6985 ) مَسْأَلَةٌ ; قَالَ : ( وَمَنْ وَطِئَ زَوْجَتَهُ ، وَهِيَ صَغِيرَةٌ ، فَفَتَقَهَا ، لَزِمَهُ ثُلُثُ الدِّيَةِ ) . مَعْنَى الْفَتْقِ ، خَرْقُ مَا بَيْنَ مَسْلَكِ الْبَوْلِ وَالْمَنِيِّ . وَقِيلَ : بَلْ مَعْنَاهُ خَرْقُ مَا بَيْنَ الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ ، إلَّا أَنَّ هَذَا بَعِيدٌ ; لِأَنَّهُ يَبْعُدُ أَنْ يَذْهَبَ بِالْوَطْءِ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْحَاجِزِ ، فَإِنَّهُ حَاجِزٌ غَلِيظٌ قَوِيٌّ . وَالْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ : فِي فَصْلَيْنِ ; ( 6986 ) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ، فِي أَصْلِ وُجُوبِ الضَّمَانِ . وَالثَّانِي : فِي قَدْرِهِ : أَمَّا الْأَوَّلُ ، فَإِنَّ الضَّمَانَ إنَّمَا يَجِبُ بِوَطْءِ الصَّغِيرَةِ أَوْ النَّحِيفَةِ الَّتِي لَا تَحَمَّلُ الْوَطْءَ ، دُونَ الْكَبِيرَةِ الْمُحْتَمِلَةِ لَهُ . وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَجِبُ الضَّمَانُ فِي الْجَمِيعِ ; لِأَنَّهُ جِنَايَةٌ ، فَيَجِبُ الضَّمَانُ بِهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي أَجْنَبِيَّةٍ . وَلَنَا ، أَنَّهُ وَطْءٌ مُسْتَحَقٌّ ، فَلَمْ يَجِبْ ضَمَانُ مَا تَلِفَ بِهِ كَالْبَكَارَةِ ، وَلِأَنَّهُ فِعْلٌ مَأْذُونٌ فِيهِ مِمَّنْ يَصِحُّ إذْنُهُ ، فَلَمْ يُضْمَنْ مَا تَلِفَ بِسِرَايَتِهِ ، كَمَا لَوْ أَذِنَتْ فِي مُدَاوَاتِهَا بِمَا يُفْضِي إلَى ذَلِكَ ، وَكَقَطْعِ السَّارِقِ ، أَوْ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ ، وَعَكْسُهُ الصَّغِيرَةُ وَالْمُكْرَهَةُ عَلَى الزِّنَا . إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْمَهْرُ الْمُسَمَّى فِي النِّكَاحِ ، مَعَ أَرْشِ الْجِنَايَةِ ، وَيَكُونُ أَرْشُ الْجِنَايَةِ فِي مَالِهِ ، إنْ كَانَ عَمْدًا مَحْضًا ، وَهُوَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهَا لَا تُطِيقُهُ ، وَأَنَّ وَطْأَهُ يُفْضِيهَا . فَأَمَّا إنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ ، وَكَانَ مِمَّا يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُفْضِيَ إلَيْهِ ، فَهُوَ عَمْدُ الْخَطَإِ ، فَيَكُونُ عَلَى عَاقِلَتِهِ ، إلَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ : إنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ عَمْدَ الْخَطَإِ ، فَإِنَّهُ يَكُونُ فِي مَالِهِ . ( 6987 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : فِي قَدْرِ الْوَاجِبِ ، وَهُوَ ثُلُثُ الدِّيَةِ . وَبِهَذَا قَالَ قَتَادَةُ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : تَجِبُ الدِّيَةُ كَامِلَةً . وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ; لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَنْفَعَةَ الْوَطْءِ ، فَلَزِمَتْهُ الدِّيَةُ ، كَمَا لَوْ قَطَعَ إسْكَتَيْهَا . وَلَنَا ، مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَضَى فِي الْإِفْضَاءِ بِثُلُثِ الدِّيَةِ . وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفًا . وَلِأَنَّ هَذِهِ جِنَايَةٌ تَخْرِقُ الْحَاجِزَ بَيْنَ مَسْلَكِ الْبَوْلِ وَالذَّكَرِ ، فَكَانَ مُوجَبُهَا ثُلُثَ الدِّيَةِ ، كَالْجَائِفَةِ . وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا تَمْنَعُ الْوَطْءَ ، وَأَمَّا قَطْعُ الْإِسْكَتَيْنِ ، فَإِنَّمَا أَوْجَبَ الدِّيَةَ ; لِأَنَّهُ قَطْعُ عُضْوَيْنِ فِيهِمَا نَفْعٌ وَجَمَالٌ ، فَأَشْبَهَ قَطْعَ الشَّفَتَيْنِ . ( 6988 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اسْتَطْلَقَ بَوْلُهَا مَعَ ذَلِكَ ، لَزِمَتْهُ دِيَةٌ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ . وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : تَجِبُ دِيَةٌ وَحُكُومَةٌ ; لِأَنَّهُ فَوَّتَ مَنْفَعَتَيْنِ ، فَلَزِمَهُ أَرْشُهُمَا ، كَمَا لَوْ فَوَّتَ كَلَامَهُ وَذَوْقَهُ . وَلَنَا ، أَنَّهُ أَتْلَفَ عُضْوًا وَاحِدًا ، فَلَمْ يَفُتْ غَيْرُ مَنَافِعِهِ ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ دِيَةٍ وَاحِدَةٍ ، كَمَا لَوْ قَطَعَ لِسَانَهُ فَذَهَبَ ذَوْقُهُ وَكَلَامُهُ . وَمَا قَالَهُ لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّهُ لَوْ أَوْجَبَ دِيَةَ الْمَنْفَعَتَيْنِ ، لَأَوْجَبَ دِيَتَيْنِ ; لِأَنَّ اسْتِطْلَاقَ الْبَوْلِ مُوجِبٌ الدِّيَةَ ، وَالْإِفْضَاءُ عِنْدَهُ مُوجِبٌ الدِّيَةَ مُنْفَرِدًا ، وَلَمْ يَقُلْ بِهِ ، وَإِنَّمَا أَوْجَبَ الْحُكُومَةَ ، وَلَمْ يُوجَدْ مُقْتَضِيهَا ، فَإِنَّنَا لَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَوْجَبَ فِي الْإِفْضَاءِ حُكُومَةً . ( 6989 ) فَصْلٌ : وَإِنْ انْدَمَلَ الْحَاجِزُ ، وَانْسَدَّ ، وَزَالَ الْإِفْضَاءُ ، لَمْ يَجِبْ ثُلُثُ الدِّيَةِ ، وَوَجَبَتْ حُكُومَةٌ ، لِجَبْرِ مَا حَصَلَ مِنْ النَّقْصِ .

                                                                                                                                            ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                            الخدمات العلمية