الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                            جزء صفحة
                                                                                                                            ثم شرع في أحكام الحيض فقال ( ويحرم به ) أي بالحيض   ( ما يحرم بالجنابة ) من صلاة وغيرها لكونه أغلظ منها بدليل أنه يحرم به أمور زيادة على ما يحرم بها كما أشار إليه بقوله ( وعبور المسجد إن خافت [ ص: 328 ] تلويثه صيانة له عن تلويثه بالنجاسة ، فإن أمنت تلويثه جاز لها العبور مع الكراهة ) كما في المجموع ومحلها عند انتفاء حاجة عبورها ولا يختص ما ذكره بها ، فمن به حدث دائم كمستحاضة وسلس بول ومن به جراحة نضاخة بالدم أو كان منتعلا بنعل به نجاسة رطبة وخشي تلويث المسجد بشيء من ذلك [ ص: 329 ] فله حكمها ، وخرج بالمسجد غيره كمصلى العيد والمدرسة والرباط فلا يكره ولا يحرم عبوره على من ذكر ( والصوم ) للإجماع على تحريمه وعدم انعقاده ولخبر الصحيحين { أليس إذا حاضت المرأة لم تصل ولم تصم ؟ } وهل عدم صحته منها تعبد لا يعقل معناه كما ادعاه الإمام أو معقول المعنى  ؟ الأوجه الثاني ، لأن خروج الدم مضعف والصوم مضعف أيضا ، فلو أمرت بالصوم لاجتمع عليها مضعفان والشارع ناظر إلى حفظ الأبدان ، وهل تثاب على الترك كما يثاب المريض على النوافل التي كان يفعلها في صحته وشغله مرضه عنها  ؟ قال المصنف : لا لأن المريض ينوي أنه يفعل لو كان سالما مع بقاء أهليته وهي غير أهل فلا يمكن أن تنوي أنها تفعل لأنه حرام عليها ( ويجب قضاؤه بخلاف الصلاة ) لخبر عائشة { كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة } وترك الصلاة يستلزم عدم قضائها لأن الشارع أمر بالترك ومتروكه [ ص: 330 ] لا يجب فعله فلا يجب قضاؤه ولأنها تكثر فتشق بخلافه ، ولأن أمرها لم يبن على أن تؤخر ولو بعذر ثم تقضى ، بخلاف الصوم فإنه عهد تأخيره بعذر السفر والمرض ثم يقضى ، وقد انعقد الإجماع على ذلك .

                                                                                                                            والأوجه كما أفاده الشيخ كراهة قضائها بل قال بعض المتأخرين : إنه المشهور المعروف ولا يؤثر فيه نهي عائشة الآتي ، والتعليل المذكور منتقض بقضاء المجنون والمغمى عليه ، خلافا لما نقله الإسنوي عن ابن الصلاح والمصنف عن البيضاوي أنه يحرم لأن عائشة نهت السائل عن ذلك ، ولأن القضاء محله فيما أمر بفعله ، بخلاف المجنون والمغمى عليه فيسن لهما القضاء ، وعلى الكراهة هل تنعقد صلاتها أو لا ؟

                                                                                                                            الأوجه نعم إذ لا يلزم من عدم طلب العبادة عدم انعقادها ولا يقدح في ذلك أن وجوب قضاء الصوم عليها بأمر جديد ، ولأنه يلزم على القول بعدم الانعقاد استواء القول بالحرمة والكراهة لأنه حيث قيل بعدمه كانت عبادة فاسدة وتعاطيها حرام ، فنصبهم الخلاف بينهما دال على تغاير حكمهما ومما يحرم عليها الطهارة عن الحدث بقصد التعبد مع علمها بالحرمة لتلاعبها ، فإن كان المقصود منها النظافة كأغسال الحج لم يمتنع كما سيأتي ثم ( و ) يحرم به أيضا مباشرتها في ( ما بين سرتها وركبتها ) ولو من غير [ ص: 331 ] شهوة لآية { فاعتزلوا النساء في المحيض } وهو الحيض عند الجمهور ، ولخبر أبي داود { أنه صلى الله عليه وسلم سأل عما يحل للرجل من امرأته وهي حائض فقال : ما فوق الإزار } وخص بمفهومه عموم خبر مسلم { اصنعوا كل شيء إلا النكاح } ولأن الاستمتاع بما تحت الإزار يدعو إلى الجماع فحرم ، لأن من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه ، على أنه يمكن أن يراد به المضاجعة والقبلة ونحوهما جمعا بينه وبين الأول ، وهو أولى من رد الحديث الأول إليه ، ويعضده فعله صلى الله عليه وسلم .

                                                                                                                            وعلم مما تقرر حرمة وطئها في فرجها ولو بحائل  بطريق الأولى ، وجواز النظر ولو بشهوة لها إذ ليس هو أعظم من تقبيلها في وجهها بشهوة ، وإن كان تعبير الرافعي في الشرحين والمحرر وتبعه في الروضة بالاستمتاع يقتضي تحريمه .

                                                                                                                            قال الإسنوي : إن بين التعبير بالاستمتاع والمباشرة عموما وخصوصا من وجه : أي لكون المباشرة لا تكون إلا باللمس سواء أكان بشهوة أم لا ، والاستمتاع يكون باللمس والنظر ، ولا يكون إلا بشهوة .

                                                                                                                            أما الاستمتاع بما عدا ما بين السرة والركبة  ولو بوطء فجائز وإن لم يكن ثم حائل ، وكذا بما بينهما بحائل بغير وطء في الفرج ، ومحل ذلك فيمن لا يغلب على ظنه أنه إن باشرها وطئ لما عرفه من عادته من قوة شبقه وقلة تقواه ، وهو أولى بالتحريم ممن حركت القبلة شهوته وهو صائم ، وأما نفس السرة والركبة فهل هما كما فوق السرة وتحت الركبة .

                                                                                                                            قال في المجموع والتنقيح : لم أر لأصحابنا كلاما في الاستمتاع بالسرة [ ص: 332 ] والركبة ، والمختار الجزم بجوازه ا هـ وعبارة الأم والسرة فوق الإزار .

                                                                                                                            قال الإسنوي : وسكتوا عن مباشرة المرأة للزوج  ، والقياس أن مسها للذكر ونحوه من الاستمتاعات المتعلقة بما بين السرة والركبة حكمه حكم تمتعاته بها في ذلك المحل .

                                                                                                                            واعترض عليه بأنه غلط عجيب فإنه ليس في الرجل دم حتى يكون ما بين سرته وركبته كما بين سرتها وركبتها ، فمسها لذكره غايته أنه استمتاع بكفها وهو جائز قطعا ، وبأنها إذا لمست ذكره بيدها فقد استمتع هو بها بما فوق السرة والركبة وهو جائز ، وبأنه كان الصواب في نظم القياس أن يقول : كل ما منعناه منه نمنعها أن تلمسه به فيجوز له أن يلمس بجميع بدنه سائر بدنها إلا ما بين سرتها وركبتها ، ويحرم عليه تمكينها من لمسه بما بينهما ، وله منعها من استمتاعها به مطلقا ، ويحرم عليها حينئذ وقد يقال : إن كانت هي المستمتعة اتضح ما قاله الإسنوي لأنه كما حرم عليه استمتاعه بما بين سرتها وركبتها خوف الوطء المحرم يحرم استمتاعها بما بين سرته وركبته لذلك ، وخشية التلويث بالدم ليس علة ولا جزء علة لوجود الحرمة مع تيقن عدمه ، وإن كان هو المستمتع اتجه الحل لأنه مستمتع بما عدا ما بينهما .

                                                                                                                            هذا والأوجه عدم الحرمة في جانبها خلافا للإسنوي ، ووطؤها في فرجها عالما عامدا مختارا  كبيرة يكفر مستحله .

                                                                                                                            ويستحب للواطئ مع العلم وهو عامد مختار في أول الدم تصدق ، ويجزئ ولو على نحو فقير واحد بمثقال إسلامي من الذهب الخالص أو ما يكون بقدره ، وفي آخر الدم بنصفه سواء أكان زوجا أم غيره ، وقد أبدى ابن الجوزي في الفرق بينهما معنى لطيفا فقال : إنما كان هذا لأنه كان في أوله قريب عهد بالجماع فلا يعذر ، وفي آخره قد بعد عهده فخفف ، ومحل ما تقرر في غير المتحيرة أما هي [ ص: 333 ] فلا كفارة بوطئها وإن حرم ، ولو أخبرته بالحيض فكذبها لم يحرم أو صدقها حرم ، وإن لم يكذبها ولم يصدقها فالأوجه كما قاله الشيخ حله للشك ، بخلاف من علق به طلاقها وأخبرته به فإنها تطلق وإن كذبها لأنه مقصر في تعليقه بما لا يعرف إلا منها ، ويقاس النفاس على الحيض فيما ذكر والوطء بعد انقطاع الدم إلى الطهر كالوطء في آخر الدم كما في المجموع ، ولا يكره طبخها ولا استعمال ما مسته من عجين أو غيره ( وقيل لا يحرم غير الوطء ) واختاره في التحقيق وغيره ، وسيأتي في باب الطلاق حرمته في حيض ممسوسة لتضررها بطول المدة ، فإن زمان الحيض لا يحسب من العدة ، فإن كانت حاملا لم يحرم طلاقها لأن عدتها إنما تنقضي بوضع الحمل ( فإذا انقطع ) دم الحيض في زمن إمكانه ومثله النفاس ( لم يحل قبل الغسل ) أي أو التيمم ( غير الصوم ) لأن الحيض قد زال وصارت كالجنب وصومه صحيح بالإجماع ( والطلاق ) هو من زيادته لزوال المعنى المقتضي لتحريمه من تطويل العدة بسبب الحيض ، ومما يحل لها أيضا صحة طهارتها وصلاتها عند فقد الطهورين بل يجب ، وما سوى ذلك من تمتع ومس مصحف وحمله ونحوها باق حتى تغتسل أو تتيمم ، أما غير التمتع فلبقاء حدثها ، وأما التمتع ، فلقوله تعالى { ولا تقربوهن حتى يطهرن } فإنه قد قرئ بالتخفيف والتشديد والقراءتان في السبع ، فأما قراءة التشديد فصريحة فيما قلناه .

                                                                                                                            وأما التخفيف ، فإن كان المراد به أيضا الاغتسال كما رواه ابن عباس وجماعة لقرينة قوله { فإذا تطهرن } فواضح ، وإن كان المراد به انقطاع الحيض فقد ذكر بعده شرطا آخر وهو قوله { فإذا تطهرن } فلا بد منهما معا .

                                                                                                                            التالي السابق



                                                                                                                            الخدمات العلمية