الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                              السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج

                                                                                                                              صديق خان - محمد صديق حسن خان القنوجي الظاهري

                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                              3324 باب غزوة حنين

                                                                                                                              ومثله في النووي .

                                                                                                                              حديث الباب

                                                                                                                              وهو بصحيح مسلم \ النووي ص 113 - 117 ج12 المطبعة المصرية

                                                                                                                              [عن ابن شهاب، قال حدثني كثير بن عباس بن عبد المطلب قال: قال عباس: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين. فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم نفارقه. ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلة له بيضاء أهداها له. فروة بن نفاثة الجذامي فلما التقى المسلمون والكفار ولى المسلمون مدبرين فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يركض بغلته قبل الكفار قال عباس وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم أكفها إرادة أن لا تسرع وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أي عباس! ناد أصحاب السمرة". فقال عباس: (وكان رجلا صيتا) فقلت بأعلى [ ص: 213 ] صوتي: أين أصحاب السمرة؟ قال: فوالله! لكأن عطفتهم (حين سمعوا صوتي) عطفة البقر على أولادها. فقالوا: يا لبيك! يا لبيك! قال: فاقتتلوا والكفار والدعوة في الأنصار يقولون يا معشر الأنصار يا معشر الأنصار قال: ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج فقالوا: يا بني الحارث بن الخزرج يا بني الحارث بن الخزرج فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا حين حمي الوطيس" قال ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حصيات فرمى بهن وجوه الكفار ثم قال "انهزموا. ورب محمد " قال: فذهبت، أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى قال فوالله ما هو إلا أن رماهم بحصياته فما زلت أرى حدهم كليلا وأمرهم مدبرا] .

                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                              (الشرح)

                                                                                                                              " وحنين " : واد بين مكة والطائف . وراء عرفات . بينه وبين مكة : بضعة عشر ميلا . وهو مصروف كما جاء به القرآن العزيز .

                                                                                                                              (عن كثير بن عباس بن عبد المطلب ; قال : قال عباس : شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وآله (وسلم ، يوم حنين . فلزمت أنا [ ص: 214 ] وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب : رسول الله صلى الله عليه وآله (وسلم ، فلم نفارقه) .

                                                                                                                              أبو سفيان هذا ، هو ابن عم رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم . قال جماعة من العلماء : اسمه هو كنيته . وقال آخرون : اسمه المغيرة . وممن قاله : هشام بن الكلبي ، وإبراهيم بن المنذر ، والزبير بن بكار ، وغيرهم . وفي هذا : عطف الأقارب بعضهم على بعض عند الشدائد ، وذب بعضهم عن بعض .

                                                                                                                              (ورسول الله صلى الله عليه) وآله (وسلم على بغلة له بيضاء ، أهداها له : فروة بن نفاثة الجذامي) . هكذا في هذه الرواية .

                                                                                                                              وفي أخرى : " على بغلته الشهباء ، وهي واحدة . قال العلماء : لا يعرف له صلى الله عليه وآله وسلم ، " بغلة " سواها . وهي التي يقال لها : " دلدل " ونفاثة بضم النون ، وفاء ثم ألف ثم ثاء.

                                                                                                                              وفي رواية أخرى : " فروة بن نعامة " بالعين والميم . قال النووي : والصحيح المعروف : الأول . قال عياض واختلفوا في إسلامه ;

                                                                                                                              [ ص: 215 ] فقال الطبري : أسلم وعمر عمرا طويلا . وقال غيره : لم يسلم .

                                                                                                                              وفي صحيح البخاري : " أن الذي أهداها له : ملك أيلة ، واسمه (فيما ذكره ابن إسحاق ) : يحنة بن روبة . والله أعلم .

                                                                                                                              قال أهل العلم : ركوبه صلى الله عليه وآله وسلم " البغلة" ، في موطن الحرب ، وعند اشتداد البأس : هو النهاية في الشجاعة والثبات . ولأنه أيضا يكون معتمدا ، يرجع المسلمون إليه . وتطمئن قلوبهم به وبمكانه . وإنما فعل هذا عمدا . وإلا ، فقد كانت له صلى الله عليه وآله وسلم أفراس معروفة .

                                                                                                                              وفي هذا الحديث : قبوله صلى الله عليه وآله وسلم ، هدية الكافر .

                                                                                                                              وفي حديث آخر : " هدايا العمال غلول " ، مع حديث " ابن اللتبية " عامل الصدقات .

                                                                                                                              وفي حديث آخر : " أنه رد بعض هدايا المشركين . وقال : " إنا لا نقبل زبد المشركين "، أي : رفدهم.

                                                                                                                              قال عياض : قال بعض العلماء : إن هذه الأحاديث ، ناسخة لقبول الهدية . وقال الجمهور : لا نسخ . بل سبب القبول : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، مخصوص بالفيء الحاصل بلا قتال ، بخلاف غيره . فقبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ممن طمع في إسلامه وتأليفه ، لمصلحة يرجوها للمسلمين . وكافأ بعضهم . ورد هدية من لم يطمع في إسلامه ، ولم يكن في قبولها مصلحة . لأن الهدية توجب المحبة والمودة .

                                                                                                                              [ ص: 216 ] وأما غير النبي صلى الله عليه وآله وسلم ; من العمال والولاة ، فلا يحل له قبولها لنفسه ، عند جمهور العلماء ، فإن قبلها ، كانت فيئا للمسلمين . فإنه لم يهدها إليه ، إلا لكونه إمامهم . وإن كانت من قوم هو محاصرهم ، فهي غنيمة . قال عياض : وهذا قول الأوزاعي ، ومحمد بن الحسن ، وابن القاسم . وحكاه ابن حبيب عمن لقيه من أهل العلم .

                                                                                                                              وقال آخرون : هي للإمام خالصة به . قاله أبو يوسف وأشهب ، وسحنون .

                                                                                                                              وقال الطبري : إنما رد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، من هدايا المشركين : ما علم أنه أهدي له في خاصة نفسه . وقبل ما كان خلاف ذلك ، مما فيه استئلاف المسلمين .

                                                                                                                              قال: ولا يصح قول من ادعى النسخ . قال : وحكم الأئمة بعد : إجراؤها مجرى مال الكفار ، من الفيء أو الغنيمة ، بحسب اختلاف الحال . وهذا معنى قوله : " هدايا العمال غلول " ، أي : إذا خصوا بها أنفسهم . لأنها لجماعة المسلمين بحكم الفيء والغنيمة .

                                                                                                                              قال عياض : وقيل : إنما قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، هدايا كفار أهل الكتاب ، ممن كان على النصرانية ، كالمقوقس وملوك الشام .

                                                                                                                              فلا معارضة بينه وبين قوله : "لا نقبل زبد المشركين". وقد أبيح لنا [ ص: 217 ] ذبائح أهل الكتاب ومناكحتهم ، بخلاف المشركين عبدة الأوثان .

                                                                                                                              انتهى .

                                                                                                                              قال النووي : قالت الشافعية : متى أخذ القاضي أو العامل : هدية محرمة ، لزمه ردها إلى مهديها . فإن لم يعرفه ، وجب عليه : أن يجعلها في بيت المال . انتهى .

                                                                                                                              (فلما التقى المسلمون والكفار ، ولى المسلمون مدبرين . فطفق رسول الله صلى الله عليه وآله ، (وسلم يركض بغلته قبل الكفار) .

                                                                                                                              فيه : من شجاعته صلى الله عليه وآله وسلم : تقدمه إلى جمع المشركين وقد فر الناس عنه .

                                                                                                                              وفي الرواية الأخرى : " أنه نزل إلى الأرض حين غشوه " . وهذه مبالغة في الثبات والشجاعة والصبر . وقيل : فعل ذلك مواساة لمن كان نازلا على الأرض ، من المسلمين .

                                                                                                                              وقد أخبرت الصحابة بشجاعته ، صلى الله عليه وآله وسلم ، في جميع المواطن . كما يأتي فيما بعد هذا الحديث . "قال إن الشجاع منا : الذي يحاذي به " ، وأنهم كانوا يتقون به .

                                                                                                                              [ ص: 218 ] (قال عباس وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله صلى الله عليه وآله (وسلم أكفها ، إرادة أن لا تسرع . وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله صلى الله عليه) وآله (وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه) وآله (وسلم، أي عباس ! ناد أصحاب السمرة) هي الشجرة التي بايعوا تحتها " بيعة الرضوان " ومعناه : ناد أهل بيعة الرضوان ، يوم الحديبية . (فقال عباس - وكان رجلا صيتا -) ذكر الحازمي " في المؤتلف" : أن العباس ، كان يقف على سلع فينادي غلمانه في آخر الليل ، وهم في الغابة فيسمعهم . قال : وبين سلع والغابة : ثمانية أميال .

                                                                                                                              (فقلت بأعلى صوتي: أين أصحاب السمرة ؟ قال : فوالله ! لكأن عطفتهم " حين سمعوا صوتي " عطفة البقر على أولادها . فقالوا : يا لبيك ! يا لبيك !) .

                                                                                                                              في هذا الحديث دليل على أن فرارهم لم يكن بعيدا ، وأنه لم يحصل الفرار من جميعهم . وإنما فتحه عليهم من في قلبه مرض ، من مسلمة أهل مكة المؤتلفة ، ومشركيها الذين لم يكونوا أسلموا . وإنما كانت هزيمتهم فجاءة لانصبابهم عليهم دفعة واحدة ، ورشقهم بالسهام ، ولاختلاط أهل مكة معهم ممن لم يستقر الإيمان في قلبه ، وممن يتربص بالمسلمين الدوائر . وفيهم نساء وصبيان خرجوا للغنيمة . فتقدم أخفاؤهم [ ص: 219 ] فلما رشقوهم بالنبل ، ولوا : فانقلبت أولاهم على أخراهم . إلى أن أنزل الله تعالى سكينته على المؤمنين كما ذكر الله تعالى في القرآن .

                                                                                                                              (قال : فاقتتلوا والكفار) هكذا هو في النسخ . وهو بنصب الكفار . أي : مع الكفار (والدعوة في الأنصار ) بفتح الدال . يعني : الاستغاثة ، والمناداة إليهم (يقولون : يا معشر الأنصار ! يا معشر الأنصار ! قال : ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج ; فقالوا : يا بني الحارث بن الخزرج ! يا بني الحارث بن الخزرج ! فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " وهو على بغلته ، كالمتطاول عليها " إلى قتالهم . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله (وسلم : هذا حين حمي الوطيس) بفتح الواو وكسر الطاء ، وبالسين . قال الأكثرون : هو شبه التنور يسجر فيه ويضرب مثلا لشدة الحرب ، التي يشبه حرها حره .

                                                                                                                              وقد قال آخرون : " الوطيس " هو التنور نفسه .

                                                                                                                              وقال الأصمعي : هي حجارة مدورة ، إذا حميت لم يقدر أحد يطأ عليها . فيقال : الآن حمي الوطيس .

                                                                                                                              وقيل : هو الضرب في الحرب.

                                                                                                                              وقيل : هو الحرب الذي يطيس الناس . أي : يدقهم .

                                                                                                                              [ ص: 220 ] قالوا : وهذه اللفظة ، من فصيح الكلام وبديعه ، الذي لم يسمع من أحد قبل النبي ، صلى الله عليه وآله وسلم .

                                                                                                                              (قال : ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه) وآله (وسلم حصيات ، فرمى بهن وجوه الكفار . ثم قال : انهزموا ، ورب محمد !) صلى الله عليه وآله وسلم (قال : فذهبت أنظر ، فإذا القتال على هيئته ، فيما أرى . قال : فوالله ! ما هو إلا أن رماهم بحصياته ، فما زلت أرى حدهم كليلا) بفتح الحاء . أي : ما زلت أرى قوتهم ضعيفة (وأمرهم مدبرا) . هذا : فيه معجزتان ظاهرتان ، لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ;

                                                                                                                              إحداهما فعلية . والأخرى خبرية . فإنه صلى الله عليه وآله وسلم أخبر بهزيمتهم ، ورماهم بالحصيات فولوا مدبرين .




                                                                                                                              الخدمات العلمية