الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
بيان ما بدل من ألفاظ العلوم .

اعلم أن منشأ التباس العلوم المذمومة بالعلوم الشرعية تحريف الأسامي المحمودة وتبديلها ونقلها بالأغراض الفاسدة إلى معان غير ما أراده السلف الصالح والقرن الأول، وهي خمسة ألفاظ: الفقه، والعلم، والتوحيد، والتذكير، والحكمة. فهذه أسام محمودة والمتصفون بها أرباب المناصب في الدين ولكنها نقلت الآن إلى معان مذمومة فصارت القلوب تنفر عن مذمة من يتصف بمعانيها لشيوع إطلاق هذه الأسامي عليهم .

اللفظ الأول : الفقه فقد تصرفوا فيه بالتخصيص لا بالنقل والتحويل إذا خصصوه بمعرفة الفروع الغريبة في الفتاوي والوقوف على دقائق عللها واستكثار الكلام فيها وحفظ المقالات المتعلقة بها فمن كان أشد تعمقا فيها وأكثر اشتغالا بها يقال هو الأفقه ولقد كان اسم الفقه في العصر الأول مطلقا على علم طريق الآخرة ومعرفة دقائق آفات النفوس ومفسدات الأعمال وقوة الإحاطة بحقارة الدنيا وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة واستيلاء الخوف على القلب ويدلك عليه قوله عز وجل ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم .

وما يحصل به الإنذار والتخويف هو هذا الفقه دون تفريعات الطلاق والعتاق واللعان والسلم والإجارة فذلك لا يحصل به إنذار ولا تخويف بل التجرد له على الدوام يقسي القلب وينزع الخشية منه كما نشاهد الآن من المتجردين له .

وقال تعالى : لهم قلوب لا يفقهون بها وأراد به معاني الإيمان دون الفتاوى ولعمري إن الفقه والفهم في اللغة اسمان بمعنى واحد وإنما يتكلم في عادة الاستعمال به قديما وحديثا قال تعالى لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله الآية فأحال قلة خوفهم من الله واستعظامهم سطوة الخلق على قلة الفقه فانظر إن كان ذلك نتيجة عدم الحفظ لتفريعات الفتاوى أو هو نتيجة عدم ما ذكرناه من العلوم وقال صلى الله عليه وسلم : علماء حكماء فقهاء للذين وفدوا عليه وسئل سعد بن إبراهيم الزهري رحمه الله أي أهل المدينة أفقه ؟ فقال : أتقاهم لله تعالى فكأنه أشار إلى ثمرة الفقه والتقوى ثمرة العلم الباطني دون الفتاوى والأقضية .

وقال صلى الله عليه وسلم : ألا أنبئكم بالفقيه كل الفقيه ؟ قالوا : بلى ، قال : من لم يقنط الناس من رحمة الله ولم يؤمنهم من مكر الله ولم يؤيسهم من روح الله ولم يدع القرآن رغبة عنه إلى ما سواه ولما روى أنس بن مالك قوله صلى الله عليه وسلم لأن أقعد مع قوم يذكرون الله تعالى من غدوة إلى طلوع الشمس أحب إلي من أن أعتق أربع رقاب قال فالتفت إلى زيد الرقاشي وزياد النميري وقال : لم تكن مجالس الذكر مثل مجالسكم هذه يقص أحدكم وعظه على أصحابه ويسرد الحديث سردا إنما كنا نقعد فنذكر الإيمان ونتدبر القرآن ونتفقه في الدين ونعد نعم الله علينا تفقها فسمى تدبر القرآن وعد النعم تفقها .

قال صلى الله عليه وسلم : لا يفقه العبد كل الفقه حتى يمقت الناس في ذات الله وحتى يرى القرآن وجوها كثيرة وروى أيضا موقوفا على أبي الدرداء رضي الله عنه مع قوله : ثم يقبل على نفسه فيكون لها أشد مقتا وقد سأل فرقد السبخي الحسن عن الشيء فأجابه فقال إن الفقهاء يخالفونك فقال الحسن رحمه الله : ثكلتك أمك فريقد وهل رأيت فقيها بعينك إنما الفقيه الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة البصير بدينه المداوم على عبادة ربه الورع الكاف نفسه عن أعراض المسلمين العفيف عن أموالهم الناصح لجماعتهم ولم يقل في جميع في ذلك الحافظ لفروع الفتاوى .

ولست أقول إن اسم الفقه لم يكن متناولا للفتاوى في الأحكام الظاهرة ولكن كان بطريق العموم والشمول أو بطريق الاستتباع فكان إطلاقهم له على علم الآخرة أكثر .

فبان من هذا التخصيص تلبيس بعث الناس على التجرد له والإعراض عن علم الآخرة وأحكام القلوب ووجدوا على ذلك معينا من الطبع فإن علم الباطن غامض والعمل به عسير والتوصل به إلى طلب الولاية والقضاء والجاه والمال متعذر فوجد الشيطان مجالا لتحسين ذلك في القلوب بواسطة تخصيص اسم الفقه الذي هو اسم محمود في الشرع .

التالي السابق


(بيان ما بدل من ألفاظ العلوم)

اعلم أن منشأ التباس العلوم المذمومة بالعلوم الشرعية تحريف الأسامي المحمودة وتبديلها ونقلها بالأغراض الفاسدة إلى معان غير ما أراده السلف الصالح والقرن الأول، وهي خمسة ألفاظ: الفقه والعلم والتوحيد والتذكير والحكمة يتصف بكل واحدة منها فيقال: هو الفقيه والعالم والموحد والمذكر والحكيم (فهي) وفي نسخة: فهذه (أسام محمودة) في الحقيقة (والمنصفون بها) هم (أرباب المناصب في الدين) في كل عصر (ولكنها نقلت الآن إلى معان مذمومة وصارت القلوب تنفر) وتشمئز ( عن مذمة من يتصف بمعانيها) تلك (لشيوع إطلاق هذه الأسامي عليهم) أي صار إطلاقها عليهم شائعا ظاهرا في الأمة .

(اللفظ الأول: الفقه) فإنهم (قد تصرفوا فيه بالتخصيص) قال الراغب: هو تفرد بعض الشيء بما لا تشارك فيه الجملة. اهـ .

وعبر عنه الأصوليون بقولهم هو قصر العام على بعض أفراده بدليل مستقل مقترن به، واحترز بالمستقل عن الاستثناء والشرط والغاية والصفة، فإنها وإن لحقت العام لا تسمى تخصيصا وبمقترن به عن النسخ نحو خالق كل شيء إذ يعلم أن الباري تقدس مخصوص منه (لا بالنقل والتحويل إذ خصصوه بمعرفة الفروع الغريبة) من مسائله (في الفتاوى) جمع فتوى وقد تقدم (والوقوف) أي: الاطلاع (على دقائق عللها) الخفية (واستكثار الكلام فيها) من هنا وهنا (وحفظ المقالات المتعلقة بها) مع كثرتها (فمن كان أشد تعمقا فيها) أي دخولا في عمقها (وأكثر اشتغالا بها يقال هو الأفقه) أي: أكثرهم فقها (ولقد كان اسم الفقه في العصر الأول) كأنه يعني عصر الصحابة (مطلقا على علم طريق الآخرة) وهو ما يحويه علم المكاشفة والمعاملة (و) على (معرفة دقائق آفات النفوس) وفي نسخة: النفس (ومفسدات الأعمال و) على (قوة الإحاطة بحقارة الدنيا وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة واستيلاء الخوف على القلب) ولذا فسره الإمام أبو حنيفة -رحمه الله تعالى- بمعرفة النفس ما لها وما عليها أي: سواء كان من الاعتقاديات أو الوجدانيات أو العمليات فدخل في الاعتقاديات علم الكلام، وفي الوجدانيات علم الأخلاق والتصوف كالزهد والصبر والرضا وحضور القلب في الصلاة ونحو ذلك وفي العمليات الصلاة والزكاة والصوم والبيع ونحوها (ويدلك عليه قوله تعالى) ( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ) ( وما يحصل به الإنذار والتخويف هو هذا العلم وهذا الفقه) الذي أشرنا إليه، وفي القوت في الباب الثلاثين؛ لأن علم الإيمان وصحة التوحيد، وإخلاص العبودية للربوبية وإخلاص الأعمال من الهوى الدنيوية، وما تعلق بها من أعمال القلب هو من الفقه في الدين، ونعت أوصاف المؤمنين إذ مقتضاه الإنذار والتخويف لقوله تعالى: ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم الآية .

(دون تفريعات الطلاق واللعان) والظهار والأيمان والكفارات والنذور (والسلم والإجارة) وما أشبهها (فذلك لا يحصل به إنذار وتخويف) الذي في الآية، وفي القوت في قوله: ليتفقهوا في الدين وصفان ظهرا عن الفقه أحدهما: النذارة وهو مقام في الدعوة إلى الله تعالى ولا يكون المنذر إلا مخوفا ولا يكون المخوف إلا خائفا والخائف عالم .

والثاني: الحذر وهو حال من المعرفة بالله -عز وجل- وهو الخشية له (بل التجرد له) أي: الاشتغال به (على الدوام يقسي القلب) ويورث الغفلة عن تحصيل مقام الإخلاص في الأعمال (وتنزع الخشية منه كما يشاهد) ذلك (من المتجردين له) ، وهذا في زمان المصنف وهو في القرن الخامس فما بالك بزماننا الآن؟ اللهم وفقنا للخير واهدنا للصواب [ ص: 231 ] آمين .

(وقال تعالى: لهم قلوب لا يفقهون بها ) أي لا يعلمون بها العلم الشرعي (وأراد به معاني الإيمان دون) علم (الفتاوى) قال صاحب القوت: في حق الموسومين بالفقه، ولا يشعر أن حسن الأدب في المعاملة بمعرفة ويقين هو من صفات الموقنين، وذلك هو حال العبد من مقامه بينه وبين ربه -عز وجل- ونصيبه من ربه تعالى، وحظه من مزيد آخرته وهو معقود بشهادة التوحيد الخالصة المقترنة بالإيمان من خفايا الشرك وشعب النفاق بالفرائض، وفرض فرضها الإخلاص بالمعاملة، وإن علم ما سوى هذا قد أشرب قلبه وحبب إليه من فضول العلوم وغرائب الفهوم، وإنما هو حوائج الناس ونوازلهم فهو حجاب عن هذا وإشغال عنه، فآثر هذا الغافل بقلة معرفته بحقيقة العلم النافع ما زين له طلبه وحبب إليه قصده، وآثر حوائج الناس وأحوالهم على حاجته وحاله وعمل في أنصبتهم منه في عاجل دنياهم من نوازل طوارقهم وفتياهم ولم يعمل في نصيبه الأوفر من ربه الأعلى -عز وجل- لأجل آخرته التي هي خير وأبقى إذ مرجعه إليها ومثواه المؤبد فيها، فآثر التقرب منهم على قربه -عز وجل- وترك للشغل بهم حظه من الله تعالى الأجزل، وقدم التفرغ لهم على فراغ قلبه لما قدم لقوة عن تقواه بالشغل بخدمة مولاه وطلب رضاه واشتغل بصلاح ألسنتهم عن صلاح قلبه وظواهر أحوالهم عن باطن حاله، وكان سبب ما يلي به حب الرياسة وطلب الجاه عند الناس والمنزلة بموجب السياسة والرغبة في عاجل الدنيا وغيرها، بقلة الهمة وضعف النية في آجل الآخرة وذخرها، فأفنى أيامه لأيامهم وأذهب عمره في شهواتهم ليسميه الجاهلون بالعلم عالما، وليكون في قلوب الطالبين عندهم فاضلا فورد القيامة مفلسا وعندما يراه من أنصبة المقربين مبلسا إذ فاز بالقرب العاملون وريح الرضا العالمون. اهـ .

وقال في موضع آخر من كتابه بعد أن ذكر حديث: استفت قلبك وإن أفتاك المفتون. وهذا مخصوص لمن كان له قلب أو ألقى سمعه وشهد قيام شاهده وعري عن شهواته؛ لأن الفقه ليس من أوصاف اللسان، ألم تسمع قوله سبحانه وتعالى: لهم قلوب لا يفقهون بها فمن كان له قلب سميع شهيد فقه به الخطاب فاستجاب لما سمع وأناب (ولعمري إن الفقه والفهم في اللفظ اسمان لمعنى واحد) ونص القوت: والفقه والفهم اسمان لمعنى واحد العرب تقول فقهت بمعنى فهمت. اهـ .

قلت: الفقه لغة الفهم، قال ابن سيده في المخصص: فقه ككبر فقاهة وهو فقيه من قوم فقهاء، وقال غيره: فقه كعلم فقها بكسر وفتح معا ويعدى فيقال فقهته، كما يقال علمته، وقال سيبويه فقه فقها، فهو فقيه كعلم علما فهو عليم، وقد أفقهته وفقهته علمته وفهمته، والتفقه تعلم الفقه وفقهت عليك فهمت، وقال عيسى بن عمر شهدت عليك بالفقه أي بالفطنة، وفي المحكم: الفقه العلم بالشيء والفهم له وغلب على علم الدين لسيادته وشرفه وفضله على سائر أنواع العلم وفي الموهب لأبي التياني: فقه فقها، مثال حذر إذا فهم وأفقهت بينت له، وفي الصحاح فاقهته باحثته في العلم .

وقال القراز في جامعه: تفقه الرجل كثر علمه، وفلان ما يتفقه ولا يفقه أي لا يعلم ولا يفهم، وقالوا: كل عالم بشيء فهو فقيه به، وفي الغريبين فقه فهم، وفقه صار فقيها، وقال ابن قتيبة: يقال للعلم الفقه؛ لأنه عن الفهم يكون. وللعالم فقيه؛ لأنه إنما يعلم بفهمه على تسمية الشيء بما كان له سببا، وقال ابن الأنباري معنى قولهم فقيه أي: عالم وقال السمين: أصل الفقه الفهم، وقيل: فقه الأشياء الخفية فهو أخص من مطلق الفهم، وقيل: هو التوصل إلى علم غائب بعلم شاهد، فهو أخص أيضا من مطلق الفهم، ولذلك قال تعالى: ولكن لا تفقهون تسبيحهم أي: ليس في وسعهم معرفة حقيقة ذلك، ويقال: فقه بالضم صار الفقه سجية له وطبعا وفقه بالكسر أي: حصل له فهم، وفقه بالفتح أي: غلب غيره في الفقه، هذا ما تيسر لنا بيانه في تحقيق لفظ الفقه، وأما الفهم، فقال الجوهري: فهمت الشيء علمته، فالفهم والعلم بمعنى واحد، وقال البدر العيني في شرحه على البخاري تفسير الفهم بالعلم غير صحيح; لأن العلم عبارة عن الإدراك الجلي والفهم جودة الذهن والذهن قوة تقتنص بها الصور والمعاني، وشمل الإدراكات العقلية والحسية، قال [ ص: 232 ] الليث يقال: فهمت الشيء أي: عقلته وعرفته، قال العيني: وهذا قد فسر الفهم بالمعرفة وهو غير العلم. اهـ .

وقال ابن بطال: التفهم للعلم هو التفقه فيه ولا يتم العلم إلا بالتفهم ولذلك قال علي -رضي الله عنه- والله ما عندنا إلا كتاب الله، أو فهم أوتيه رجل مؤمن. فجعل الفهم درجة أخرى بعد حفظ كتاب الله؛ لأنه بالفهم له تتبين معانيه وأحكامه وقد نفى -صلى الله عليه وسلم- العلم عمن لا فهم له بقوله رب حامل فقه لا فقه له، وقال صاحب القوت بعد ما ذكر أن الفقه والفهم لمعنى واحد ما نصه: وقد فضل الله -عز وجل- الفهم عنه على العلم والحكمة ورفع الأفهام على الأحكام، فقال عز من قائل ففهمناها سليمان فأفرده بالفهم عنه وهو الذي فضله به على حكم أبيه في القضية بعد أن أشركهما في الحكم والعلم .

( وإنما تكلم في عادة الاستعمال) بينهم (قديما وحديثا قال) الله (تعالى لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون ) أي: خفي عليهم الفرق بين الخوفين فلم يعرفوا الله حق المعرفة (فأحال قلة خوفهم من الله) تعالى الناشئ عن عدم اليقين بالله (واستعظامهم سطوة الخلق على قلة الفقه) بل عدمه (فانظر إن كان ذلك نتيجة عدم الحفظ لتفريعات الفتاوى) في الأحكام الشرعية (أو نتيجة ما ذكرنا من العلوم) وقد فضل الحسن علماء الهداية إلى الله الدالين عليه وسماهم العلماء وحققهم بالعلم في كلام روي عنهم في ذلك (وقال - صلى الله عليه وسلم-: علماء حكماء فقهاء) قاله (للذين وفدوا عليه) وفي نسخة: قدموا عليه، قال العراقي: أخرجه أبو نعيم في الحلية والبيهقي في الزهد والخطيب في التاريخ من حديث سويد بن الحارث بإسناد ضعيف. اهـ .

قلت: وكذا أبو موسى المديني في كتابه في الصحابة الذي ذيل به على ابن منده كلهم من رواية علقمة بن يزيد بن سويد الأزدي، حدثني أبي عن جدي سويد بن الحارث، قال: وفدت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، سابع سبعة من قومي فلما دخلنا عليه وكلمنا أعجبه ما رأى من سمتنا وزينا فقال: ما أنتم ؟ قلنا: مؤمنون، فتبسم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال: إن لكل قول حقيقة فما حقيقة قولكم وإيمانكم قال سويد: قلنا خمس عشرة خصلة: خمس منها أمرتنا رسلك أن نؤمن بها وخمس منها أمرتنا رسلك أن نعمل بها وخمس منها تخلقنا بها في الجاهلية فنحن عليها إلا أن تكره منها شيئا، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: وما الخمس التي أمرتكم رسلي أن تؤمنوا بها؟ قلنا: أمرتنا رسلك أن نؤمن بالله -عز وجل- وملائكته وكتبه ورسله، والبعث بعد الموت، قال: وما الخمس التي أمرتكم أن تعملوا بها؟ قلنا: أمرتنا رسلك أن نقول: لا إله إلا الله ونقيم الصلاة ونؤتي الزكاة ونصوم رمضان ونحج البيت من استطاع إليه سبيلا، قال: وما الخمس التي تخلقتم بها أنتم في الجاهلية؟ قلنا: الشكر عند الرخاء، والصبر عند البلاء والصدق في مواطن اللقاء، والرضا بمر القضاء، والصبر عند شماتة الأعداء، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: علماء حكماء كادوا من صدقهم أن يكونوا أنبياء. وفي مشيخة الأنصاري فقال: أدباء، حلماء عقلاء فقهاء، كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء.

وقال الحافظ ابن حجر: هو في كتاب المعرفة لأبي نعيم من رواية أبي سليمان الداراني عن زاهد بالشام سماه عن أبيه عن جده سويد. اهـ .

قلت: قال الذهبي في "الميزان": علقمة بن يزيد بن سويد عن أبيه عن جده، لا يعرف، وأتى بخبر منكر لا يحتج به فلينظر .

(وسئل) أبو إسحاق ويقال أبو إبراهيم (سعد بن إبراهيم) ابن عبد الرحمن بن عوف الزهري قاضي المدينة أمه أم كلثوم بنت سعد بن أبي وقاص، روى عن أنس وأبي أمامة بن سهل، وعنه أبو إبراهيم وشعبة وابن عيينة، ثقة إمام يصوم الدهر ويختم كل يوم، توفي سنة 127 وحفيده سعد بن إبراهيم بن سعد أبو إسحاق قاضي واسط توفي سنة 201 قال صاحب القوت: قال مسعر عن سعد بن إبراهيم وسأله سائل (أي أهل المدينة أفقه؟ فقال: أتقاهم لله) -عز وجل- (فكأنه أشار إلى ثمرة الفقه) أي: العلم الباطن (والتقوى ثمرة العلم الباطن دون الفتاوى والأقضية) وانظر إلى قوله تعالى: واتقوا الله واسمعوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا فجعل مفتاح القول السديد والعلم الرشيد والسمع المكين التقوى وهي [ ص: 233 ] وصية الله -عز وجل- من قبلنا وإيانا إذ يقول سبحانه وتعالى: ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله وهذه الآية قطب القرآن ومداره عليها كمدار الرضا على الحسبان .

(وقال -صلى الله عليه وسلم-: ألا أنبئكم بالفقيه كل الفقيه؟ قالوا: بلى، قال: من لم يقنط الناس من رحمة الله ولم يؤمنهم من مكر الله ولم يؤيسهم من روح الله ولم يدع القرآن رغبة عنه إلى ما سواه) .

قال العراقي: أخرجه أبو بكر ابن لال في مكارم الأخلاق، وأبو بكر بن السني في رياضة المتعلمين، وابن عبد البر في العلم من حديث علي كلهم من طريق ابن وهب، قال أخبرني عقبة بن نافع عن إسحاق بن أسيد عن أبي مالك، وأبي إسحاق عن علي رفعه، وقال ابن عبد البر أكثرهم يوقفونه على علي، ولم يرو مرفوعا إلا بهذا الإسناد. اهـ .

وفي رواية الثلاثة تقديم لم يؤيسهم على لم يؤمنهم مع زيادة في آخره وهي: ألا لا خير في عبادة ليس فيها تفقه ولا في علم ليس فيه تفهم ولا في قراءة ليس فيها تدبر، وهكذا هو في الفردوس بتلك الزيادة (ولما روى أنس بن مالك) ابن النضر بن ضمضم بن حرام النجاري الأنصاري خادم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جاوز المائة توفي سنة 93 روى عنه خلق كثير (قول رسول الله صلى الله عليه وسلم) ، وفي القوت: وروينا عن أنس بن مالك أنه لما حدث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في فضل مجالس الذكر (لإن أقعد مع قوم يذكرون الله تعالى من غدوة إلى طلوع الشمس أحب إلي من أن أعتق أربع رقاب) أخرجه أبو دواد بإسناد حسن، قاله العراقي، قلت: تبع المصنف صاحب القوت في سياقه، والحافظ العراقي سكت عليه وعزاه بهذا السياق إلى أبي داود والذي في سننه من رواية موسى بن خلف عن قتادة عن أنس رفعه، لأن أقعد مع قوم يذكرون الله تعالى من صلاة الغداة حتى تطلع الشمس أحب إلي من أن أعتق أربعة من ولد إسماعيل ولأن أقعد مع قوم يذكرون الله من صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس أحب إلي من أن أعتق أربعة. وموسى بن خلف العمي، قال فيه ابن مغيث ضعيف، وقال مرة لا بأس به، ورواه أيضا هكذا أبو نعيم في المعرفة والبيهقي في السنن والضياء المقدسي في المختارة كلهم عن أنس، وأخرج أبو يعلى الموصلي في سننه وفيه: لأن أقعد مع أقوام بدل قوم، وفيه زيادة: دية كل رجل منهم اثنا عشر ألفا. في الموضعين، وأخرج أبو داود الطيالسي في مسنده وابن السني في عمل يوم وليلة والبيهقي في السنن عن أنس أيضا بلفظ: لأن أجالس قوما يذكرون الله من صلاة الغداة إلى طلوع الشمس أحب إلي مما طلعت عليه الشمس، ولأن أذكر الله من صلاة العصر إلى غروب الشمس أحب إلي من أن أعتق ثمانية من ولد إسماعيل دية كل واحد اثنا عشر ألفا، كذا في الجامع الكبير، ورواه ابن السني في رياضة المتعلمين والخطيب في الفقيه والمتفقه نحوه، كلهم: مسلم. وليس عندهما ذكر الدية .

وفي الباب عن حسن بن علي، وسهل بن سعد والعباس بن عبد المطلب وابن عمر وابن عمرو وعتبة بن عبد الله، وعلي وعمر بن الخطاب ومعاذ بن أنس، وأبي أمامة، وأبي هريرة، وعائشة، سيأتي ذكرها حيث ذكرها المصنف في كتاب الأوراد إن شاء الله تعالى (قال) صاحب القوت (فالتفت) أي: أنس (إلى) صاحبيه (يزيد) ابن أبان (الرقاشي) القاص العابد روى عن أنس والحسن وعنه صالح المري، وحماد بن سلمة ضعيف (وزياد) ابن عبد الله (النميري) روى عن أنس وعنه عمارة بن زاذان وأبو سعيد المؤدب وثقه ابن حبان (وقال: لم تكن مجالس الذكر مثل مجالسكم هذه يقص أحدكم) كذا في النسخ، وفي القوت: يقص أحدهم (ويخطب على أصحابه) وفي بعض نسخ الكتاب: يقص أحدهم وعظه على أصحابه وهو تصحيف (ويسرد الحديث سردا) وليس في القوت سردا (إنما كنا نقعد فنذكر الإيمان ونتدبر القرآن ونتفقه في الدين ونعد نعم الله علينا) ، وأخرج الخطيب البغدادي من طريق يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: لأن أجلس مع قوم يذكرون الله من غداة إلى طلوع الشمس أحب إلي مما طلعت عليه الشمس ومن العصر إلى غروبها إلى من كذا وكذا، قال يزيد: كان أنس إذا حدث [ ص: 234 ] بهذا الحديث أقبل علي وقال: والله ما هو بالذي تصنع أنت وأصحابك ولكنهم قوم يتعلمون القرآن والفقه. كذا في تحذير الخواص للسيوطي، وروى أبو يعلى في مسنده حدثنا خلف بن هشام حدثنا حماد بن زيد عن جعفر بن ميمون عن يزيد الرقاشي، قال: كان أنس إذا حدثنا هذا الحديث: إنه والله ما هو بالذي تصنع أنت وأصحابك، يعني يقعد أحدكم فيجتمعون حوله فيخطب إنما كانوا إذا صلوا الغداة قعدوا حلقا حلقا يقرءون القرآن ويتعلمون الفرائض والسنن، وفي القوت وكان عبد الله بن رواحة، يقول لأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : تعالوا حتى نؤمن ساعة فيجلسون إليه فيذكرهم العلم بالله تعالى والتوحيد في الآخرة وكان يخلف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فربما خرج عليهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهم مجتمعون عنده فيسكتون فيقعد إليهم ويأمرهم أن يأخذوا فيما كانوا فيه ويقول -صلى الله عليه وسلم- بهذا أمرت وإلى هذا دعوت، وروي نحو هذا عن معاذ بن جبل وكان يتكلم في هذا العلم وقد روينا هذا مفسرا في حديث جندب كنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن. اهـ .

(فسمى تدبر القرآن وعد النعم فقها) كما سمى ابن رواحة علم الإيمان إيمانا؛ لأن علم الإيمان وصف الإيمان والعرب تسمي الشيء بوصفه، وتسمي بأصله كما في الحديث: تعلموا اليقين، أي: علم اليقين، وكما في قوله تعالى: وابيضت عيناه من الحزن ، أي: من البكاء فسماه بأصله لأن الحزن أصل البكاء (وقال -صلى الله عليه وسلم-: لا يفقه العبد كل الفقه حتى يمقت الناس في ذات الله وحتى يرى للقرآن وجوها كثيرة) .

قال العراقي: أخرجه ابن عبد البر من رواية أبي بكر عن أبان بن أبي عياش عن أبي قلابة عن شداد بن أوس وقال: لا يصح مرفوعا. اهـ .

قلت: وهذا أورده الخطيب في "المتفق والمفترق" من حديث شداد أيضا ولفظه: لا يفقه العبد كل الفقه حتى يمقت الناس في ذات الله وحتى لا يكون أحد أمقت إليه من نفسه.

(وروي أيضا موقوفا على أبي الدرداء) -رضي الله عنه- رواه ابن عبد البر من طريق عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي الدرداء بلفظ: لن تفقه كل الفقه حتى ترى للقرآن وجوها كثيرة ولن تفقه كل الفقه حتى تمقت الناس في ذات الله (مع) زيادة (قوله: ثم يقبل على نفسه فيكون لها أشد مقتا) وعند ابن عبد البر ثم تقبل على نفسك فتكون لها أشد مقتا منك للناس وقد أخرجه أبو بكر بن لال في فوائده من رواية الحكم بن عبدة عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن جابر وابن الديلمي في مسند الفردوس من طريقه، ولفظه:لا يفقه العبد كل الفقه حتى يبغض الناس في ذات الله، ثم يرجع إلى نفسه فتكون أمقت عنده من الناس أجمعين، وفي المجلس الخامس عشر من أمالي ابن منده من هذا الوجه بلفظ: لا يكون المرء فقيها حتى يمقت الناس كلهم في ذات الله وحتى لا يكون أحد أمقت إليه من نفسه قال ابن منده: وهو حديث غريب من حديث قتادة لا يعرف عنه مرفوعا إلا من هذا الوجه، (وسأل فرقد) ابن يعقوب (السبخي) بفتح الموحدة وكسر الخاء المعجمة نسبة إلى السبخة موضع بالبصرة قاله ابن الأثير وهو البصري الحافظ الزاهد، روى عن أنس وجمع وعنه الحمادان وهمام ضعفوه لكن قال عثمان الداري عن ابن معين: ثقة، يقال شغله التعبد عن حفظ الحديث مات بالبصرة سنة 131 (الحسن) ابن يسار البصري سيد التابعين ( عن شيء فأجابه) عنه (فقال) يا أبا سعيد (إن الفقهاء يخالفونك) أي: فيما أفتيت (فقال الحسن: ثكلتك أمك) يا (فريقد) صغر اسمه للترحم (وهل رأيت فقيها بعينك إنما الفقيه) حقيقة هو (الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة البصير بدينه) وفي بعض النسخ: بذنبه (المداوم على عبادة ربه الورع الكاف عن أعراض المسلمين) وفي بعض النسخ: الناس (العفيف عن أموالهم الناصح لجماعتهم) [ ص: 235 ] أورد هذه القصة هكذا صاحب القوت وقال: جمعنا قوله هذا في روايات عنه مختلفة فوصف وصف العارفين، وأخرج أبو نعيم في الحلية بسنده إلى علي بن معاذ، عن ليث قال: كنت أسأل الشعبي فيعرض عني ويجبهني بالمسألة فقلت: يا معشر الفقهاء تروون عنا أحاديثكم وتجبهونا بالمسألة فقال الشعبي: يا معشر العلماء، يا معشر الفقهاء لسنا بفقهاء ولا علماء، ولكنا قوم قد سمعنا حديثا فنحن نحدثكم بما سمعنا إنما الفقيه من ورع عن محارم الله، والعالم من خاف الله. انتهى .

(ولم يقل في جميع ذلك) الفقيه (هو الحافظ لفروع الفتاوى) والأحكام والأقضية (ولست أقول إن اسم الفقه لم يكن متناولا) أي شاملا (للفتاوى في الأحكام الظاهرة ولكن) كان (بطريق العموم والشمول) .

قال أبو البقاء: هما بمعنى واحد وهو الإكثار وإيصال الشيء إلى جماعة، وقال غيره: العموم ما يقع من الاشتراك في الصفات وفي الليث العابس حد العام هو اللفظ المستغرق لما يصلح له، من غير حصر، والصحيح دخول الصور النادرة تحته وإن لم تخطر بالبال (أو بطريق الاستتباع) بأن يجعل علم الفتاوى تابعا لبقية علوم الآخرة (و) لكن (كان إطلاقهم له) أي: لعلم الفقه (على علم الآخرة أكثر) وذلك في الصدر الأول (فثار من هذا التخصيص) بعلم الفتاوى خاصة أي قام منه وانبعث (تلبيس) تخليط (بعث الناس) وحملهم (على التجرد له) أي: الانفراد لطلبه والإقبال عليه (والإعراض عن علم الآخرة و) علم (أحكام القلب ووجدوا على ذلك) أي: على طلبه (معينا) مساعدا (من الطبع) والجبلية (فإن علم الباطن) الذي سبق بيانه (غامض) خفي المدرك يحتاج إلى رياضة (والعلم به) بالتوصل إليه (عسير) على غالب الناس، وفي نسخة: والعمل به عسير (والتوصل به إلى طلب) المناصب الدنيوية مثل (الولاية والقضاء و) كذا التوصل به إلى تحصيل (الجاه والمال) كل ذلك (متعذر) قل من يصل إلى ما ذكر بعلم الباطن بل علمه ينهاه عن اختيار شيء من ذلك (فوجد الشيطان مجالا) في إغوائه (لتحسين ذلك في القلوب) وتزيينه (بواسطة تخصيص اسم الفقه الذي هو اسم محمود في الشرع) فلم يزل بأحدهم يحسن له في ذلك حتى يوقعه في هوة الهلاك فيأتي يوم القيامة مفلسا من الأعمال ملجما بلجم الحيرة حيث لا تنفعه. نسأل الله العفو والإحسان .




الخدمات العلمية