الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل مسائل منثورة عن الحنث في اليمين

جزء التالي صفحة
السابق

فرع

في كتب أصحاب أبي حنيفة - رضي الله عنه - أنه لو قال : وسلطان الله فهو يمين إن أراد القدرة ، وإن أراد المقدور ، فلا ، وبه نقول نحن . وأنه لو قال : ورحمة الله وغضبه ، فليس بيمين ، ويشبه أن يقال : إن أراد إرادة النعمة والعقوبة فيمين ، وإن أراد الفعل ، فلا . وأنه لو حلف : ليضربن زوجته حتى يغشى عليها أو تبول ، حمل على الحقيقة . ولو قال : حتى أقتلها أو ترفع ميتة ، حمل على أشد الضرب ، ويظهر على أصلنا الحمل على الحقيقة أيضا . وأنه لو حلف : لا يدخل هذه الخيمة ، فقلعت ونصبت في موضع آخر ، فدخلها ، حنث ، ولو حلف : لا يجلس على هذه الأسطوانة أو الحائط ، فأعيد بناؤهما بعد النقض ، فجلس على المعاد ، لم يحنث ، وكذا لو حلف على مقص أو سيف

[ أو ] سكين فكسر وأعيدت الصنعة ، لم يحنث . وإن نزع مسمار المقص ونصاب السكين ، وأعيد مسمار آخر ، ونصاب آخر ، حنث . ولو حلف : لا يقرأ [ ص: 88 ] في المصحف فجعل بين يديه ، وقلبت أوراقه ، فقرأ فيه ، حنث ، ولو حلف : لا يدخل هذا المسجد ، فزيد فيه ، فدخل الزيادة ، حنث ، ولو حلف : لا يكتب بهذا القلم ، فكسره ، ثم براه وكتب به ، لم يحنث وبجميع هذه الأجوبة نقول إلا [ في ] مسألة القلم .

قلت : في موافقتهم في مسألة زيادة المسجد ، نظر ، وينبغي أن لا يحنث بدخولها ، لأن اليمين لم يتناولها حالة الحلف . وأما قول الإمام الرافعي : إنا نخالفهم في مسألة القلم ، فليس كما قال ، بل مذهبنا فيها كما ذكروه قال القاضي أبو الطيب في كتاب الصلح من تعليقه : ولو حلف لا يكتب بهذا القلم وهو مبري فكسره ، ثم براه وكتب به ، لم يحنث ، وإن كانت الأنبوبة واحدة ، لأن القلم اسم للمبري دون القصبة ، وإنما تسمى القصبة قبل البري قلما مجازا ، لأنها ستصير قلما ، قال : وكذا إذا قال : لا أقطع بهذا السكين ، فأبطل حدها ، وجعله في ظهرها ، وقطع بها لم يحنث . قال : ولو حلف : لا يستند إلى هذا الحائط ، فهدم ، ثم بني واستند ، إن بني بتلك الآلة ، حنث ، وإن أعيد بغيرها أو ببعضها ، لم يحنث . - والله أعلم - .

وأنه لو حلف : لا يأكل من كسب زيد ، فكسبه ما يتملكه من المباحات ، العقود دون ما يرثه . ولو كسب شيئا ومات ، فورثه الحالف وأكله ، حنث ، ولو انتقل إلى غيره بشراء أو وصية ، لم يحنث . ولك أن لا تفرق ، ويشترط لكسبه أن يكون باقيا في ملكه . وأن الحلواء كل حلو ليس من جنسه حامض ، كالخبيص والعسل والسكر دون العنب والإجاص والرمان ، والأشبه أن يشترط في إطلاق الحلو أن يكون معمولا ، وأن يخرج منه العسل والسكر فالحلواء غير الحلو .

[ ص: 89 ] قلت : هذا الذي اختاره الرافعي - رحمه الله - هو الصواب ، وفي الحديث الصحيح : كان يحب الحلواء والعسل . - والله أعلم - .

قال العبادي من أصحابنا في الرقم : لو حلف على الحلواء ، دخل فيه المتخذ من الفانيذ والسكر والعسل والدبس والقند ، وفي اللوزينج والجوزينج وجهان ، وأن الشواء يقع على اللحم خاصة دون السمك المشوي ، وأن الطبيخ يقع على اللحم يجعل في الماء ويطبخ ، وعلى مرقتها

[ و ] عن بعضهم أنه يقع على الشحم ، ولو طبخ عدس أو أرز بودك فهو طبيخ ، وإن طبخ بزيت أو سمن ، فليس بطبيخ .

قلت : الصواب أن الكل طبيخ . - والله أعلم - .

وذكر العبادي في " الرقم " أنه لو حلف : لا يأكل المرق ، فهو ما يطبخ باللحم أي لحم كان ، وفيما يطبخ بالكرش والبطون والشحم وجهان . وإذا حلف : لا يأكل المطبوخ ، حنث بما طبخ بالنار أو أغلي ، ولا يحنث بالمشوي . والطباهجة مشوية ، ويحتمل غيره ، وذكروا أن الغداء : من طلوع الفجر إلى الزوال ، والعشاء : من الزوال إلى نصف الليل ، والسحور : ما بين نصف الليل وطلوع الفجر . ومقدار الغداء والعشاء أن يأكل أكثر من نصف شبعه . ولو حلف : ليأتينه غدوة ، فهي ما بين طلوع الفجر إلى نصف النهار ، والضحوة بعد طلوع الشمس من حين تزول كراهة الصلاة إلى نصف النهار ، والصباح [ ص: 90 ] ما بعد طلوع الشمس إلى ارتفاع الضحى ، ‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌وقد يتوقف في كون العشاء من الزوال ، وفي مقدار الغداء والعشاء ، وفي امتداد الغدوة إلى نصف النهار ، وفي أن الضحوة من الساعة التي تحل فيها الصلاة . وأنه لو حلف : لا يكلمه ، فنبهه من النوم ، حنث ، وإن لم ينتبه وهذا غير مقبول . ولو دق المحلوف عليه الباب ، فقال : من هذا ؟ حنث ، وينبغي أن يفرق بين علمه به وجهله ، وأنه لو قال : لا أكلمه اليوم ولا غدا ، لم تدخل الليلة المتخللة في اليمين ، ولو قال : لا أكلمه اليوم وغدا ، دخلت ، والصواب التسوية .

قلت : يعني في عدم الدخول وهذا إذا لم ينو مواصلة الهجران . - والله أعلم - .

ولو قال : لا أكلمه يوما ولا يومين ، فاليمين على يومين ، فلو كلمه في الثالث ، لم يحنث ، وهكذا ذكره أبو الحسن العبادي من أصحابنا . ولو قال : يوما ويومين ، فاليمين على ثلاثة ، وأنه لو حلف : ليهدمن هذه الدار ، فهدم سقوفها ، بر ، ويجوز أن يقال : يشترط أن لا يبقى ما يسمى دارا . ولو حلف : ليهدمن هذا الحائط اليوم ، أو لينقضنه ، اشترط هدمه ، حتى لا يبقى منه ما يسمى حائطا . ولو حلف : ليكسرنه ، لم يشترط ما يزيل اسم الحائط .

فرع

حلف : لا يزوره حيا ولا ميتا ، فشيع جنازته ، لم يحنث . وفي فتاوى الغزالي أنه لو حلف : لا يدخل داره صوفا ، فأدخل داره كبشا عليه صوف ، أو لا يدخلها بيضا ، فأدخلها دجاجة ، فباضت في الحال ، [ ص: 91 ] لم يحنث . وأنه لو حلف : لا يقعد معه تحت سقف ، فقعدا تحت أزج حنث ، وأنه لو حلف : لا يفطر ، فمطلق هذا ينصرف إلى الأكل والجماع ونحوهما ، ولا يحنث بالردة والجنون والحيض ودخول الليل . وبالله التوفيق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث