الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

وجود الخلق دليل وجود الخالق

" سبحانه " وتعالى ، وهو اسم بمعنى التسبيح الذي هو التنزيه ، وانتصابه بفعل متروك إظهاره ، ولا يخفى حسن موقعه هنا . أي هو - سبحانه وتعالى - منزه عن أن يخلق الخلق سدى ، أو يشاركه في إحداث شيء من الحوادث شريك ، بل هو الخالق المختار بلا حاجة ولا اضطرار بقدرة قاهرة لحكمة باهرة ، ولهذا قلنا ( فهو ) - تعالى - ( الحكيم ) ، أي المتقن لخلق الأشياء بحسن [ ص: 45 ] التدبير وبديع التقدير ، بحيث يخضع العقل لرفعته ، ويشهد بإتقان صنعته ، كما قال - تعالى : ( أحسن كل شيء خلقه ) ، وقال : ( وخلق كل شيء فقدره تقديرا ) ، والحكيم من أسمائه الحسنى ، وهو ذو الحكمة ، وهي إصابة الحق بالعلم .

فالحكمة منه - تعالى - علم الأشياء ، وإيجادها على غاية الإحكام ، ومن الإنسان معرفة الموجودات وفعل الخيرات ، وهذا الذي وصف به لقمان في قوله - تعالى : ( ولقد آتينا لقمان الحكمة ) . قال الإمام الحافظ ابن الجوزي في كتابه ( صيد الخاطر ) : العقل لا ينتهي إلى حكمة الخالق - سبحانه - وقد ثبت عنده وجوده وملكه وحكمته ، فتعرضه بالتفاصيل على ما تجري به عادات الخلق جهل . ثم قال : ألا ترى إلى أول المعترضين ، وهو إبليس اللعين ، كيف ناظر فقال : أنا خير منه . وقول أبي العلاء المعري :

رأى منك ما لا يشتهي فتزندقا

. ثم قال : ويحك أحضر عقلك وقلبك واسمع ما أقول ، أليس قد ثبت أن الحق مالك ، وللمالك أن يتصرف كيف يشاء ؟ أليس قد ثبت أنه حكيم ، والحكيم لا يعبث ؟ . قال : وأنا أعلم أن في نفسك من هذه الكلمة شيئا ، فإنك قد سمعت عن جالينوس أنه قال : ما أدري أحكيم هو أم لا ؟ والسبب في قوله هذا أنه رأى نقضا بعد إحكام ، فقاس الحال على أحوال الخلق ، وهو أن من بنى ثم نقض لا لمعنى فليس بحكيم ، قال : وجوابه لو كان حاضرا أن يقال : بماذا بان لك أن النقض ليس بحكمة ؟ أليس بعقلك الذي وهبه الصانع لك ؟ فكيف يهب لك الذهن الكامل ويفوته هو الكمال ؟ وهذه المحنة التي جرت لإبليس ، فإنه أخذ يعيب الحكمة بعقله ، فلو فكر علم أن واهب العقل أعلى من العقل ، وأن حكمته أوفى من كل حكيم ; لأنه بحكمته التامة أنشأ العقول ، فهذا إذا تأمله المنصف ، زال عنه الشك . انتهى .

ومراد الحافظ ابن الجوزي من كان ممن لا يرى طريقا إلى إدراك حكمته إلا بالعقل ، كيف وقد جاء في صحيح المنقول ما يوافق صريح المعقول من الكتاب والسنة ما لا يبقي في لب اللبيب أقل اختلاج وأدنى ريب ، والله أعلم بكل غيب . وهو ( الوارث ) أي الباقي بعد فناء الخلق ، والمسترد لأملاكهم ومواريثهم بعد موتهم ، قال - تعالى : ( إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون ) [ ص: 46 ] وقال - تعالى : ( وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون ) ، فلا يبقى عليها ولا عليهم لأحد غيره - سبحانه - ملك ولا ملك ، ويقول الله - تعالى - في ذلك اليوم بعد فناء الخلق : ( لمن الملك اليوم ) ، ولا أحد يجيبه ، فيجيب نفسه فيقول : ( لله الواحد القهار ) . وسيأتي الكلام على دقائق تتعلق بالأسماء عند مباحثها ، إن شاء الله تعالى .

ثم إني بعد ابتدائي بالبسملة والحمدلة ، والثناء عليه - تعالى - بما هو أهله ، عقبته بالصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - إظهارا لعظمة قدره ، وأداء لبعض حقوقه الواجبة ، إذ هو الواسطة بين الله وبين عباده ، وجميع النعم الواصلة إليهم التي من أعظمها الهداية للدين القويم إنما هي به وعلى يديه - صلى الله عليه وسلم ، وامتثالا لقوله - تعالى : ( ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ) ، واغتناما للثواب الوارد في قوله - صلى الله عليه وسلم : " من صلى علي في كتاب ، لم تزل الملائكة تستغفر له " . وفي رواية : تصلي عليه ما دام اسمي في ذلك الكتاب " . وللجمع بين الثناء على الله - تعالى - وعلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - بالصلاة عليه ، فقلت :

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث