الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الشهادة في الولاء

رجل مات ، وادعى رجل أن أباه أعتقه وهو يملكه ، وأنه لا وارث لأبيه ولا لهذا الميت غيره ، وجاء بابني أخيه فشهدا على ذلك قال لم تجز شهادتهما ; لأنهما يشهدان لجدهما على ما بينا أن الولاء للمعتق ، والإرث به كان للمعتق بطريق العصوبة على أن يخلفه في ذلك أقرب عصبته ، وشهادة النافلة للجد لا تقبل ، وكذلك شهادة ابني المعتق بذلك لا تجوز ; لأنهما يشهدان لأبيهما وإذا [ ص: 103 ] ادعى رجل ولاء رجل ، وأقام البينة أنه أعتقه وهو يملكه وأقام الآخر البينة أن هذا حر الأصل أسلم على يديه ووالاه ، والغلام يدعي أنه حر الأصل يقضي به للذي والاه دون الذي أعتقه ; لأن حرية الأصل تثبت له بالبينة ، وحرية الأصل لا ناقض لها ، فبعد ثبوتها تندفع بينة العتق ضرورة ; لأن العتق ينبني على الملك وقد انتفى الملك بثبوت حرية الأصل ، ولهذا قضى بولائه للذي والاه .

وكذلك لو كان ميتا عن تركة ; لأن إحدى البينتين تقوم على رقة ، والأخرى على حريته فالمثبت للحرية أولى ; ولأن صاحب الموالاة أثبت ببينته أنه عاقده عقد الولاء ، وذلك إقرار منه بأنه حر ولا ولاء عليه ، فثبوت هذا الإقرار بالبينة كثبوته بالمعاينة أن لو كان حيا أو ادعى ذلك ، فإن كان حيا فأقر أنه مولى عتاقة لهذا أجزت بينة العتاقة ، وكان هذا نقضا من الغلام للموالاة لو كان والى هذا الآخر ; لأن العبد مكذب للذين شهدوا بحريته في الأصل ، ومدعي الموالاة خرج من أن يكون خصما في إثبات ذلك ; لأن العبد بإقراره بولاء العتاقة على نفسه يصير ناقضا لولاء الموالاة لما بينهما من المنافاة ، وهو متمكن من نقض ولائه ما لم يعقل عنه ، فإذا لم يبق خصم يدعي حرية الأصل له صح إقراره بالملك وولاء العتاقة ، ومن أصحابنا من يقول هذا قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى : لأن من أصله أن البينة على حرية العبد لا تقبل من غير الدعوى وعندهما تقبل ، فيثبت له حرية الأصل بحجة حكمية ، وذلك لا يحتمل النقض بإقراره ، فينبغي أن لا يثبت عليه ولاء العتاقة عندهما والأصح أن هذا قولهم جميعا ; لأن بينة العتاقة تعارض بينة حرية الأصل فيما لأجله تقبل البينة عندهما ، وهو إثبات حقوق الشرع عليه ثم تترجح بخصم يدعيها أو لما انتفى ولاء الموالاة فهذا حر لا ولاء عليه ، وقد أقر بأنه مولى هذا الذي يدعي ولاء العتق عليه ، فيكون إقراره صحيحا ; لأنه يقر بما هو من خالص حقه كما لو أقر النسب لإنسان ولا نسب له .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث