الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في بيان ما يملك كل واحد من الشريكين من التصرف بعد المهايئات

جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) :

وأما بيان ما يملك كل واحد منهما من التصرف بعد المهايئات ، أما في المهايئات بالمكان فلكل واحد منهما أن يستغل ما أصابه بالمهايئات سواء شرط الاستغلال في العقد أو لا ، وسواء تهايئا في دار واحدة أو دارين ; لأن المنافع بعد المهايئات تحدث على ملك كل واحد منهما فيما أخذه ، فيملك التصرف فيه بالتمليك من غيره ، وبه تبين أن المهايئات في هذا النوع ليست بإعارة ; لأن العارية لا تؤاجر .

( وأما ) المهايئات بالزمان فلكل واحد منهما أن يسكن أو يستخدم ; لما ذكرنا ، لكن لا بد من ذكر الوقت من اليوم والشهر ونحو ذلك ، بخلاف المهايأة بالمكان أن لكل واحد منهما ولاية السكنى والاستغلال مطلقا ; لأن الحاجة إلى ذكر الوقت لتصير المنافع معلومة ، والمهايئات بالمكان قسمة منافع مقدرة مجموعة بالمكان ، ومكان المنفعة معلوم ، فصارت المنافع معلومة بالعلم بمكانها ، فجازت المهايأة .

وأما المهايأة بالزمان فقسمة مقدرة [ ص: 33 ] بالزمان ، فلا تصير معلومة إلا بذكر زمان معلوم فهو الفرق ، والله - سبحانه وتعالى - أعلم .

وهل يملك كل واحد منهما الاستغلال في نوبته ؟ لا خلاف في أنهما إذا لم يشترطا - لم يملك ، فأما إذا شرطا ذكر القدوري - عليه الرحمة - أنه لا يملك ; لأن هذا النوع من المهايأة في معنى الإعارة ، والعارية لا تؤجر وذكر الأصل : أن التهايؤ في الدار الواحدة على السكنى والغلة جائزة .

( منهم ) من قال : المذكور في الأصل ليس بمهايئات حقيقة ; لوجهين : أحدهما - أنه أضاف التهايؤ إلى الغلة دون الاستغلال ، والغلة لا تحتمل التهايؤ حقيقة إذ هي عين ، والتهايؤ قسمة المنافع دون الأعيان .

والثاني - أنه ذكر فيه أن غلة الدار إذا وصلت في يد أحدهما شاركه فيه صاحبه ، وليس ذلك حكم جواز المهايئات ، وكما أن المهايأة بالمكان في الدارين إذا تهايئا أن يأخذ كل واحد منهما وأخذه ، يستغلها فاستغلها ففضل من الغلة في يد أحدهما ، أن الفاضل يكون له خاصة ، ويكون المذكور في الأصل محمولا على ما إذا اصطلحا على أن يأخذ هذا غلة شهر وذلك غلة شهر ، وسمي ذلك مهايأة مجازا ، وإن لم يكن ذلك مهايأة حقيقة في هذه الصورة - يكون فضل الغلة مشتركا بينهما ، وعلى هذا يرتفع اختلاف الروايتين ويحتمل أن يكون المذكور في الأصل دليلا على شرط جواز الاستغلال ، إذ الغلة يجوز أن تذكر بمعنى الاستغلال في الجملة ، وقد قام دليل إرادة الاستغلال ههنا - وهو قرينة التهايؤ - إذ هي عبارة عن قسمة المنافع دون الغلة التي هي عين ماله ، وكذا التهايؤ يكون على شيء هو مقدور التهايؤ وهو فعل الاستغلال دون عين الغلة ; ولهذا قرن بها السكنى الذي هو فعل الساكن ، ويكون قوله : ما فضل من الغلة في يده يشاركه فيه صاحبه ، محمولا على ما إذا تهايئا بشرط الاستغلال ابتداء ، ثم اصطلحا على أن يأخذ كل واحد منهما غلة شهر ، وفي هذه الصورة يكون فضل الغلة بينهما كما في الدارين .

فعلى هذا ثبت اختلاف روايتي الحاكم وأحمد بن الحسين القدوري - عليهم الرحمة ، والله - سبحانه وتعالى - أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث