الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                معلومات الكتاب

                                                                                                                                بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

                                                                                                                                الكاساني - أبو بكر مسعود بن أحمد الكاساني

                                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                                ولو زفت إليه غير امرأته ، وقلن النساء : إن هذه امرأتك فوطئها - لا حد عليه ، منهم من قال : إنما لم يجب الحد ; لشبهة الاشتباه ، وهذا غير سديد ، فإنها إذا جاءت بولد يثبت النسب ، ولو كان امتناع الوجوب لشبهة الاشتباه ينبغي أن لا يثبت ; لأن النسب لا يثبت في شبهة الاشتباه كما فيما ذكرنا من المسائل ، وههنا يثبت النسب ، دل أن الامتناع ليس لشبهة الاشتباه بل لمعنى آخر .

                                                                                                                                وهو إن وطئها بناء على دليل ظاهر - يجوز بناء الوطء عليه ، وهو الإخبار بأنها امرأته ، بل لا دليل ههنا سواه فلئن تبين الأمر بخلافه فقيام الدليل المبيح من حيث الظاهر يورث شبهة ، ولو وطئ أجنبية وقال : ظننت أنها امرأتي أو جاريتي أو شبهتها بامرأتي أو جاريتي - يجب الحد ; لأن هذا الظن غير معتبر ; لعدم استناده إلى دليل فكان ملحقا بالعدم فلا يحل الوطء بناء على هذا الظن ، ما لم يعرف أنها امرأته بدليل ، إما بكلامها أو بإخبار مخبر ، ولم يوجد ، مع ما أنا لو اعتبرنا هذا الظن في إسقاط الحد لم يقم حد الزنا في موضع ما ، إذ الزاني لا يعجز عن هذا القدر فيؤدي إلى سد باب الحد ، وهكذا روي عن إبراهيم النخعي - رحمه الله - أنه قال : لو قيل هذا لما أقيم الحد على أحد ، وكذلك لو كان الرجل أعمى فوجد امرأة في بيته فوقع عليها وقال : ظننتها امرأتي عليه الحد ; لأن هذا ظن لم يستند إلى دليل ، إذ قد يكون في البيت من لا يجوز وطؤها من المحارم والأجنبيات ; فلا يحل الوطء بناء على هذا الظن فلم تثبت الشبهة .

                                                                                                                                وروي عن محمد في رجل أعمى دعا امرأته فقال : يا فلانة ، فأجابت غيرها ، فوقع عليها ; أنه يحد ، ولو أجابته غيرها وقالت : أنا فلانة فوقع عليها - لم يحد ، ويثبت النسب وهي كالمرأة المزفوفة إلى غير زوجها ; لأنه لا يحل له وطؤها بنفس الإجابة ما لم تقل أنا فلانة ; لأن الإجابة قد تكون من التي ناداها ، وقد تكون من غيرها ، فلا يجوز بناء الوطء على نفس الإجابة ، فإذا فعل لم يعذر ، بخلاف ما إذا قالت : أنا فلانة فوطئها ; لأنه لا سبيل للأعمى إلى أن يعرف أنها امرأته إلا بذلك الطريق ، فكان معذورا فأشبه المرأة المزفوفة ، حتى لو كان الرجل بصيرا لا يصدق على ذلك ; لإمكان الوصول إلى أنها امرأته بالرؤية .

                                                                                                                                وروي عن زفر في رجل أعمى وجد على فراشه أو مجلسه امرأة نائمة فوقع عليها وقال : ظننت أنها امرأتي ; يدرأ عنه الحد وعليه العقر ، وقال أبو يوسف : لا يدرأ .

                                                                                                                                ( وجه ) قول زفر أنه ظن في موضع الظن ، إذ الظاهر أنه لا ينام على فراشه غير امرأته ، فكان ظنه مستندا إلى دليل ظاهر ; فيوجب درأ الحد ، كما لو زفت إليه غير امرأته فوطئها .

                                                                                                                                ( وجه ) قول أبي يوسف أن النوم على الفراش لا يدل على أنها امرأته لجواز أن ينام على فراشه غير امرأته ، فلا يجوز استحلال الوطء بهذا القدر ، فإذا استحل وظهر الأمر بخلافه - لم يكن معذورا ، والله - سبحانه وتعالى - أعلم .

                                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                                الخدمات العلمية