الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في بيان ما تظهر به الحدود عند القاضي

جزء التالي صفحة
السابق

وكذلك لو قذف إنسانا في نفسه ، ثم ادعى القاذف أن المقذوف عبد - فالقول قول القاذف ، وكذلك لو قال القاذف : أنا عبد وعلي حد العبد ، وقال المقذوف : أنت حر - فالقول قول القاذف ; لأن الظاهر وإن كان هو الحرية والإسلام ; لأن دار الإسلام دار الأحرار ، لكن الظاهر لا يصلح للإلزام على الغير ، فلا بد من الإتيان بالبينة .

وروي عن أبي يوسف فيمن قذف أم رجل فإن كان القاضي يعرف أمه حرة مسلمة - جلد القاذف ; لأن الحرية والإسلام يثبتان بالبينة فعلم القاضي أولى ; لأنه فوق البينة ; لأن الحرية والإسلام من شرائط الإحصان ، والإحصان شرط الوجوب والقاضي يقضي بعلمه بسبب وجوب هذا الحد ; فلأن يقضي بعلمه بشرط الوجوب أولى ، فإن لم يعلم القاضي - حبسه في السجن حتى يأتي بالبينة ; لأنه ظهر منه القذف ، وأنه يوجب العقوبة سواء كان المقذوف أمه حرة أو أمة ، فجاز أن يستوثق منه بالحبس ، وإن لم تقم بينته - أخذ منه كفيلا أو أخرجه وأخذ الكفيل على مذهبه ، فأما على مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه فلا يؤخذ الكفيل على ما بينا ولا يعزره ; لأن التعزير من القاضي حكم بإبطال إحصان المقذوف ; لأن قذف المحصن يوجب الحد لا التعزير ، ولا يجوز الحكم بإبطال الإحصان ، ولو شهد شاهدان على القذف واختلفا في مكان القذف أو زمانه بأن شهد أحدهما أنه قذف في مكان كذا ، وشهد الآخر أنه قذف في مكان آخر ، أو شهد أحدهما أنه قذف يوم الخميس ، وشهد الآخر أنه قذف يوم الجمعة - قبلت شهادتهما ، ووجب الحد عند أبي حنيفة رضي الله عنه وعندهما لا تقبل .

( وجه ) قولهما أنهما شهدا بقذفين مختلفين ; لأن القذف في هذا المكان والزمان يخالف القذف في مكان آخر وزمان آخر ، فقد شهد كل واحد منهما بقذف غير القذف الذي شهد به الآخر ، وليس على أحدهما شهادة شاهدين فلا يثبت ، ولأبي حنيفة - رحمه الله - أن اختلاف مكان القذف وزمانه لا يوجب اختلاف القذف ; لجواز أنه كرر القذف الواحد في مكانين وزمانين ; لأن القذف من باب الكلام والكلام مما يحتمل التكرار والإعادة ، والمعاد عين الأول حكما ، وإن كان غيره حقيقة فكان القذف واحدا ، فقد اجتمع عليه شهادة شاهدين ، وإن اتفقا في المكان والزمان واختلفا في الإنشاء والإقرار ، بأن شهد أحدهما أنه قذفه في هذا المكان يوم الجمعة ، وشهد الآخر أنه قذفه في هذا المكان يوم الجمعة - لا تقبل ولا حد عليه في قولهم جميعا استحسانا والقياس أن تقبل ويحد .

( وجه ) القياس أن اختلاف كلامهما في الإنشاء والإقرار لا يوجب اختلاف القذف ، كما إذا شهد أحدهما بإنشاء البيع والآخر بالإقرار به - أنه تقبل شهادتهما ، كذا هذا .

( وجه ) الاستحسان أن الإنشاء مع الإقرار أمران مختلفان حقيقة ; لأن الإنشاء إثبات أمر لم يكن ، والإقرار إخبار عن أمر كان ، فكانا مختلفين حقيقة فكان المشهود به مختلفا ، وليس على أحدهما شاهدان فلا تقبل .

ونظيره من قال لامرأته : زنيت قبل أن أتزوجك - فعليه اللعان لا الحد ، ولو قال لها : قذفتك بالزنا قبل أن أتزوجك - فعليه الحد لا اللعان ; لأن قوله زنيت إنشاء القذف فكان قاذفا لها للحال ، وهي للحال زوجته ، وقذف الزوج يوجب اللعان لا الحد ، وقوله : قذفتك بالزنا ، إقرار منه بقذف كان منه قبل التزوج ، وهي كانت أجنبية قبل التزوج ، وقذف الأجنبية ; يوجب الحد لا اللعان ، والله - سبحانه وتعالى - أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث