الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في حكم السرقة

جزء التالي صفحة
السابق

والثاني وجوب رد عين المسروق على صاحبه إذا كان قائما بعينه ، وجملة الكلام فيه : أن المسروق في يد السارق لا يخلو إما أن كان على حاله لم يتغير ، وإما أن أحدث السارق فيه حدثا ، فإن كان على حاله رده على المالك ; لما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال { : على اليد ما أخذت حتى ترده } .

وروي أنه عليه الصلاة والسلام قال { من وجد عين ماله فهو أحق به } .

وروي { أنه عليه الصلاة والسلام رد رداء صفوان رضي الله عنه عليه ، وقطع السارق فيه } ، وكذلك إن كان السارق قد ملك المسروق رجلا ببيع أو هبة ، أو صدقة ، أو تزوج امرأة عليه ، أو كان السارق امرأته فاختلعت من نفسها به .

وهو قائم في يد المالك فلصاحبه أن يأخذه ; لأنه ملكه ، إذ السرقة لا توجب زوال الملك عن العين المسروقة ، فكان تمليك السارق باطلا ، ويرجع المشتري على السارق بالثمن الذي اشتراه به ; لما مر ، فإن كان قد هلك في يدي القابض ، وكان البيع قبل القطع ، أو بعده فلا ضمان لا على السارق ، ولا على القابض ; لما بينا فيما تقدم ، وإن أحدث السارق فيه حدثا لا يخلو إما أن أحدث حدثا أوجب النقصان ، وإما إن أحدث حدثا أوجب الزيادة ، فإن أحدث حدثا أوجب النقصان يقطع ، وتسترد العين على المالك ، وليس عليه ضمان النقصان ; لأن نقصان المسروق هلاك بعضه ، ولو هلك كله يقطع ، ولا ضمان عليه كذا إذا هلك البعض ، ويرد العين ; لأن القطع لا يمنع الرد .

ألا ترى أنه لا يمنع رد الكل فكذا البعض ، وإن أحدث حدثا أوجب الزيادة فالأصل في هذا أن السارق إذا أحدث في المسروق حدثا لو أحدثه الغاصب في المغصوب لا يقطع حق المالك ، ينقطع حق المسروق منه ، وإلا فلا ، إلا أن في باب الغصب يضمن الغاصب للمالك مثل المغصوب ، أو قيمته ، وههنا لا يضمن السارق لمانع وهو القطع ، إذا عرف هذا فنقول : السارق إذا قطع الثوب المسروق ، وخاطه قميصا ; انقطع حق المالك ; لأنه لو فعله الغاصب لانقطع حق المغصوب منه كذا إذا فعله السارق ، ولا [ ص: 90 ] ضمان على السارق ; لما بينا ولو صبغه أحمر أو أصفر فكذلك لا سبيل للمالك على العين المسروقة في قول أبي حنيفة - رحمه الله - وفي قولهما يأخذ المالك الثوب ، ويعطيه ما زاد الصبغ فيه .

( وجه ) قولهما : أنه لو وجد هذا من الغاصب لخير المالك بين أن يضمن الغاصب قيمة الثوب ، وبين أن يأخذ الثوب ، ويعطيه ما زاد الصبغ فيه ، إلا أن التضمين ههنا متعذر لضرورة القطع فتعين الوجه الآخر وهو : أن يأخذ الثوب ، ويعطيه ما زاد الصبغ فيه إذ الغصب ، والسرقة لا يختلفان في هذا الباب إلا في الضمان ، ولأبي حنيفة الفرق بين الغصب ، والسرقة ههنا وهو : أن حق المغصوب منه إنما لم ينقطع عن الثوب بالصبغ ; لأن أصل الثوب ملكه ، وهو متقوم ، وللغاصب فيه حق متقوم أيضا ، إلا أنا أثبتنا الخيار للمالك لا للغاصب ; لأن المالك صاحب أصل ، والغاصب صاحب وصف ، وههنا حق السارق في الصبغ متقوم ، وحق المالك في أصل الثوب ليس بمتقوم في حق السارق لأجل القطع .

ألا ترى أنه لو أتلفه السارق لا ضمان عليه ، فاعتبر حق السارق ، وجعل حق المالك في الأصل تبعا لحقه في الوصف ، وتعذر تضمينه لضرورة القطع فيكون له مجانا ، ولكن لا يحل له أن ينتفع بهذا الثوب بوجه من الوجوه كذا قال أبو حنيفة - رحمه الله - ; لأن الثوب على ملك المسروق منه إلا أنه تعذر رده ، وتضمينه في الحكم ، والقضاء ، فما لم يملكه السارق لا يحل له الانتفاع به ; لأنه ملكه بوجه محظور من غير بدل لتعذر إيجاب الضمان ; فلا يباح له الانتفاع به ، ويجوز أن يصير مال إنسان في يد غيره على وجه يخرج من أن يكون واجب الرد ، والضمان إليه من طريق الحكم والقضاء ، لكن لا يحل له الانتفاع به فيما بينه ، وبين الله - تبارك وتعالى - كالمسلم إذا دخل دار الحرب بأمان فأخذ شيئا من أموالهم لا يحكم عليه بالرد ، ويلزمه ذلك فيما بينه ، وبين الله - جل جلاله .

وكذلك الباغي إذا أتلف مال العادل ، ثم تاب لا يحكم عليه بالضمان ، ويفتى به فيما بينه ، وبين الله - تبارك وتعالى - وكذلك الحربي إذا أتلف شيئا من مالنا ، ثم أسلم لا يحكم عليه بالرد ، ويفتى بذلك فيما بينه ، وبين الله - جلت عظمته - وكذلك السارق إذا استهلك المسروق لا يقضى عليه بالضمان ، ولكن يفتى به فيما بينه ، وبين الله تعالى ، وكذا قاطع الطريق إذا قتل إنسانا بعصا ثم جاء تائبا بطل عنه الحد ، ويؤمر بأداء الدية إلى ولي القتيل ، ولو قتل حربي مسلما بعصا ، ثم أسلم لا يفتى بدفع الدية إلى الولي ، بخلاف الباغي ، وقاطع الطريق ، والفرق أن القتل من الحربي لم يقع سببا لوجوب الضمان ; لأن عصمة المقتول لم تظهر في حقه ، فلا يجب بالإسلام ; لأنه يجب ما قبله .

وقال الله تعالى { قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف } ، بخلاف قاطع الطريق ; لأن فعله ، وقع سببا لوجوب الضمان إلا أنه لا يحكم بالضمان لمانع ، وهو ضرورة إقامة الحد ، إلا أن الحد إذا لم يجب لشبهة يحكم بالضمان فيظهر أثر المانع في الحكم ، والقضاء لا في الفتوى ، وكذا فعل الباغي ، وقع سببا لوجوب الضمان لكن لم يحكم بالوجوب لمانع ، وهو عدم الفائدة لقيام المنعة ، وهذا المانع يخص الحكم ، والقضاء ، فكان الوجوب ثابتا عند الله - سبحانه وتعالى - فيقضى به ، وعلى هذا يخرج ما إذا سرق نقرة فضة فضربها دراهم أنه يقطع ، والدراهم ترد على صاحبها في قول أبي حنيفة .

وعندهما ينقطع حق المالك عن الدراهم ; بناء على أن هذا الصنع لا يقطع حق المالك في باب الغصب عنده ، وعندهما ينقطع ، ولو سرق حديدا ، أو صفرا ، أو نحاسا ، أو ما أشبه ذلك فضربها أواني ينظر إن كان بعد الصناعة ، والضرب تباع وزنا فهو على الاختلاف الذي ذكرنا ، وإن كانت تباع عددا فيقطع حق المالك بالإجماع - كما في الغصب - وعلى هذا إذا سرق حنطة فطحنها ، وغير ذلك من هذا الجنس ، وسنذكر جملة ذلك في كتاب الغصب - إن شاء الله تعالى - ، والله أعلم بالصواب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث