الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في ما يرجع إلى المقطوع فيه

جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) :

وأما الذي يرجع إلى المقطوع فيه ، وهو المكان فنوعان : أحدهما : أن يكون قطع الطريق في دار الإسلام ، فإن كان في دار الحرب لا يجب الحد ; لأن المتولي لإقامة الحد هو الإمام ، وليس له ولاية في دار الحرب فلا يقدر على الإقامة فالسبب حين وجوده لم ينعقد سببا للوجوب ; لعدم الولاية فلا يستوفيه في دار الإسلام ; ولهذا لا يستوفي سائر الحدود في دار الإسلام إذا وجد أسبابها في دار الحرب كذا هذا والثاني : أن يكون في غير مصر فإن كان في مصر لا يجب الحد ، سواء كان القطع نهارا ، أو ليلا ، وسواء كان بسلاح ، أو غيره ، وهذا استحسان ، وهو قولهما ، والقياس أن يجب ، وهو قول أبي يوسف .

( وجه ) القياس : أن سبب الوجوب قد تحقق ، وهو قطع الطريق فيجب الحد كما لو كان في غير مصر .

( وجه ) الاستحسان : أن القطع لا يحصل بدون الانقطاع ، والطريق لا ينقطع في الأمصار ، وفيما بين القرى ; لأن المارة لا تمتنع عن المرور عادة فلم يوجد السبب ، وقيل : إنما أجاب أبو حنيفة - عليه الرحمة - على ما شاهده في زمانه ; لأن أهل الأمصار كانوا يحملون السلاح فالقطاع ما كانوا يتمكنون من مغالبتهم في المصر ، والآن ترك الناس هذه العادة ; فتمكنهم المغالبة فيجري عليهم الحد ، وعلى هذا قال أبو حنيفة - رحمه الله - فيمن قطع الطريق بين الحيرة ، والكوفة : إنه لا يجري عليه الحد ; لأن الغوث كان يلحق هذا الموضع في زمانه ; لاتصاله بالمصر ، والآن صار ملتحقا بالبرية فلا يلحق الغوث ; فيتحقق قطع الطريق .

والثالث : أن يكون بينهم ، وبين المصر مسيرة سفر ، فإن كان أقل من ذلك لم يكونوا قطاع الطريق ، وهذا على قولهما ، فأما على قول أبي يوسف فليس بشرط ، ويكونون قطاع الطريق ، والوجه ما بينا فيجب الحد .

وروي عن أبي يوسف في قطاع الطريق في المصر إن قاتلوا نهارا بسلاح يقام عليهم الحد ، وإن خرجوا بخشب لهم لم يقم عليهم ; لأن السلاح لا يلبث فلا يلحق الغوث ، والخشب يلبث فالغوث يلحق ، وإن قاتلوا ليلا بسلاح ، أو بخشب يقام عليهم الحد ; لأن الغوث قلما يلحق بالليل ; فيستوي فيه السلاح ، وغيره ، والله - سبحانه ، وتعالى - أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث