الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في بيان حكم ما يقع عليه الإكراه

جزء التالي صفحة
السابق

( وأما ) النوع الذي هو مرخص فهو إجراء كلمة الكفر على اللسان مع اطمئنان القلب بالإيمان إذا كان الإكراه تاما وهو محرم في نفسه مع ثبوت الرخصة ، فأثر الرخصة في تغير حكم الفعل وهو المؤاخذة لا في تغير وصفه وهو الحرمة ; لأن كلمة الكفر مما لا يحتمل الإباحة بحال فكانت الحرمة [ ص: 177 ] قائمة إلا أنه سقطت المؤاخذة ; لعذر الإكراه قال الله تبارك وتعالى : { من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم } إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان على التقديم والتأخير في الكلام ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

والامتناع عنه أفضل من الإقدام عليه حتى لو امتنع فقتل كان مأجورا ; لأنه جاد بنفسه في سبيل الله تعالى فيرجو أن يكون له ثواب المجاهدين بالنفس هنا ، وقال : عليه الصلاة والسلام { من قتل مجبرا في نفسه فهو في ظل العرش يوم القيامة ، وكذلك التكلم بشتم النبي عليه الصلاة والسلام مع اطمئنان القلب بالإيمان ، والأصل فيه ما روي أن عمار بن ياسر رضي الله عنهما لما أكرهه الكفار ورجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له : ما وراءك يا عمار فقال : شر يا رسول الله ما تركوني حتى نلت منك فقال رسول الله : صلى الله عليه وسلم إن عادوا فعد } فقد رخص عليه الصلاة والسلام في إتيان الكلمة بشريطة اطمئنان القلب بالإيمان حيث أمره عليه الصلاة والسلام بالعود إلى ما وجد منه ، لكن الامتناع عنه أفضل لما مر ، ومن هذا النوع شتم المسلم ، لأن عرض المسلم حرام التعرض في كل حال قال النبي : عليه الصلاة والسلام { كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله } إلا أنه رخص له ، لعذر الإكراه .

وأثر الرخصة في سقوط المؤاخذة دون الحرمة ، والامتناع عنه حفظا لحرمة المسلم وإيثارا له على نفسه أفضل ومن هذا النوع : إتلاف مال المسلم ; لأن حرمة مال المسلم حرمة دمه على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يحتمل السقوط بحال إلا أنه رخص له الإتلاف لعذر الإكراه حال المخمصة على ما نذكر ، ولو امتنع حتى قتل لا يأثم بل يثاب ; لأن الحرمة قائمة فهو بالامتناع قضى حق الحرمة فكان مأجورا لا مأزورا وكذلك إتلاف مال نفسه مرخص بالإكراه لكن مع قيام الحرمة حتى أنه لو امتنع فقتل لا يأثم بل يثاب ; لأن حرمة ماله لا تسقط بالإكراه ألا ترى أنه أبيح له الدفع قال النبي عليه الصلاة والسلام : { قاتل دون مالك وكذا من أصابته المخمصة فسأل صاحبه الطعام فمنعه فامتنع من التناول حتى مات أنه لا يأثم } لما ذكرنا أنه بالامتناع راعى حق الحرمة هذا إذا كان الإكراه تاما ، فإن كان ناقصا من الحبس والقيد والضرب الذي لا يخاف منه تلف النفس والعضو لا يرخص له أصلا ، ويحكم بكفره .

وإن قال : كان قلبي مطمئنا بالإيمان فلا يصدق في الحكم على ما نذكر ، ويأثم بشتم المسلم وإتلاف ماله ; لأن الضرورة لم تتحقق ، وكذا إذا كان الإكراه تاما ولكن في أكبر رأي المكره أن المكره لا يحقق ما أوعده لا يرخص له الفعل أصلا ، ولو فعل يأثم لانعدام تحقق الضرورة لانعدام الإكراه شرعا ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث