الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

إتمام النعمة في اختصاص الإسلام بهذه الأمة

فصل : قال قائل من الأدلة على ذلك قوله تعالى : ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ) الآية ، وهذا من أعجب العجب ، فإن المراد من الآية استواء الشرائع كلها في أصل التوحيد ، وليس الإسلام اسما للتوحيد فقط بل لمجموع الشريعة بفروعها وأعمالها ، فالمستدل بهذه الآية إما أن يزعم أن الإسلام لا يطلق على الأعمال ، أو يزعم استواء الشرائع في الفروع ، وكلاهما جهل من قائله ، ثم لو قدر الاستواء لم يصلح الاستدلال ; لأن محل النزاع في أمر لفظي ، وهو أنه هل تسمى تلك الشرائع إسلاما أو لا تسمى ؟ مع قطع النظر عن اتفاقها في الفروع واختلافها ، وذلك راجع إلى قاعدة أن [ ص: 148 ] الإطلاق متوقف على الورود ، والذي ورد به الحديث والأثر أنه لا يطلق على شيء من الشرائع السابقة إسلام وإن كان حقا ، كما أنه لا يطلق على شيء من الكتب السابقة قرآن وإن كان فيها معنى الضم والجمع ، وكما أنه لا يطلق على شيء من أواخر آي القرآن سجع بل فواصل وقوفا مع ما ورد ، كما قال النووي : أنه لا يقال في حق النبي صلى الله عليه وسلم عز وجل وإن كان عزيزا جليلا ، ولا في حق غير الأنبياء صلى الله عليه وسلم ، وإن كانت الصلاة بمعنى الرحمة ، وتطلق عليهم الرحمة كل ذلك وقوفا مع الورود ، وقد تقدم عن ابن زيد أنه قال : لم يذكر الله بالإسلام غير هذه الأمة ، وابن زيد أحد أئمة السلف العالمين بالقرآن والتفسير ، أفتراه غفل عن هذه الآيات التي استدل بها قائل هذه المقالة ؟

كلا لم يغفل عنها ، بل علم تأويلها واطلع على مدرك الجواب عنها ، فنفى وهو آمن من إيرادها عليه ، وأعظم من ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم خلق الله بكتاب الله ، حيث نص على اختصاص الإسلام بأمته ، وذكر ذلك لليهودي مبينا به تمييز أمته على سائر الأمم ، فلولا أنه صلى الله عليه وسلم فهم ذلك من الآيات الدالة عليه وعلم أن الآي الأخر لا تعارضها لم يقل ذلك ، ولو كان يطلق على الأمم السابقة مسلمون لكان اليهودي يقول له : وأمة موسى أيضا مسلمون فلا مزية لأمتك عليهم ، ومن العجب من يستدل بآيات القرآن وهو غير متضلع من الحديث ، ومن المعلوم أن في القرآن : المجمل والمبهم ، والمحتمل ، وكل من الثلاثة محتاج إلى السنة تبينه وتعينه وتوضح المراد منه ، وقد قال عمر بن الخطاب : " إنه سيأتي قوم يجادلونكم بشبهات القرآن ، فخذوهم بالسنن ، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله " . وأخرج ابن سعد عن ابن عباس أن علي بن أبي طالب أرسله إلى الخوارج فقال : اذهب إليهم فخاصمهم ولا تحاججهم بالقرآن فإنه ذو وجوه ، ولكن خاصمهم بالسنة ، فقال له ابن عباس : يا أمير المؤمنين أنا أعلم بكتاب الله منهم في بيوتنا نزل ، قال : صدقت ولكن القرآن حمال ذو وجوه تقول ويقولون ، ولكن حاججهم بالسنن فإنهم لن يجدوا عنها محيصا ، فخرج إليهم فحاجهم بالسنن فلم تبق بأيديهم حجة ، وقال يحيى بن أبي كثير : السنة قاضية على القرآن أي : مبينة له ومفسرة ، وقال الإمام فخر الدين : أنزل القرآن على قسمين محكم ومتشابه ; ليكون فيه مجال لكل ذي مذهب فينظر فيه جميع أرباب المذاهب طمعا أن يجد كل فيه ما يؤيد مذهبه وينصر مقالته فيجتهدون في التأمل فيه ، فإذا بالغوا في ذلك صارت المحكمات مفسرة للمتشابهات ، وبهذا الطريق يتخلص المبطل من باطله ويتصل إلى الحق ، ولو كان القرآن كله محكما لما كان مطابقا إلا لمذهب واحد وكان [ ص: 149 ] بصريحه مبطلا لكل ما سوى ذلك المذهب ، وذلك مما ينفر أرباب سائر المذاهب عن قبوله وعن النظر فيه ، قال : وأيضا إذا كان القرآن مشتملا على المتشابه افتقر إلى العلم بطريق التأويلات وترجيح بعضها على بعض ، وافتقر في تعلم ذلك إلى تحصيل علوم كثيرة من علم اللغة ، والنحو ، والمعاني ، والبيان ، وأصول الفقه وغير ذلك ، وفي ذلك مزيد مشقة في الوصول إلى المراد منه ، وزيادة المشقة توجب مزيد الثواب ، ولو لم يكن الأمر كذلك لم يحتج إلى تحصيل هذه العلوم الكثيرة ، فلم يكن فيه مشقة توجب مزيد الثواب وكان يستوي في إدراك الحق منه الخواص والعوام ، هذا كلام الإمام فخر الدين .

قلت : فإذا كان كذلك فكيف يحل لمن لم يتيقن واحدا من العلوم المشترطة التكلم في القرآن وعدتها خمسة عشر أن يتجرأ على الاستدلال بآيات القرآن على حكم من الأحكام أو على أمر من الأمور جاهلا بطريق الاستدلال عاجزا عن تحصيل شروطه ؟ ومثل هذا هو الذي ورد فيه الحديث : من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار ، وفي رواية : فقد كفر . والعجب أنه يعمد إلى الاستدلال بآيات مع قطع النظر عن معارضها وعن النظر فيها هل هي مصروفة عن ظاهرها أو لا ؟ وقد أوجب أهل الأصول على المجتهد المستدل بآية أو حديث أن يبحث عن المعارض وجوابه وعن الذي استدل به هل معه قرينة تصرفه عن ظاهره ؟ وهذا نطح مع الناطحين من غير تأمل ولا مراعاة لشرط من الشروط ، فلو استحيا هذا الرجل من الله لوقف عند مرتبته وهي التقليد وترك الاستدلال لأهله ، قال الله تعالى : ( ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) وأولو الأمر هم المجتهدون كما قال ابن عباس ، وجابر بن عبد الله ، ومجاهد ، وأبو العالية ، والضحاك ، وغيرهم : أولو الأمر هم أولو الفقه ، وأولو الخبر ، ولفظ مجاهد : هم الفقهاء والعلماء ، وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله تعالى : ( ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) قال : هم أهل العلم ألا ترى أنه يقول : ( ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) ، ومعلوم أن لفظ الفقهاء والعلماء إنما يطلق على المجتهدين ، وأما المقلد فلا يسمى فقيها ولا عالما كما نص عليه أهل الفقه والأصول ، وامتناع إطلاق [ ص: 150 ] الفقيه والعالم على المقلد كامتناع إطلاق لفظ المسلم على اليهودي والنصراني خصوصية من الله لا يسأل عما يفعل وهم يسألون .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث