الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تنزيه الاعتقاد عن الحلول والاتحاد

وقال صاحب [ كتاب ] معيار المريدين : اعلم أن منشأ أغلاط الفرق التي غلطت في الاتحاد والحلول جهلهم بأصول الدين وفروعه وعدم معرفتهم بالعلم ، وقد وردت الأحاديث والآثار بالتحذير من عابد جاهل ، فمن لا يكون له سابقة علم لم ينتج ولم [ ص: 161 ] يصح له سلوك ، وقد قال سهل بن عبد الله التستري : اجتنب صحبة ثلاثة أصناف من الناس الجبابرة الغافلين والقراء المداهنين والمتصوفة الجاهلين ، فافهم ولا تغلط فإن الدين واضح قال : واعلم أنه وقع في عبارة بعض المحققين لفظ الاتحاد إشارة منهم إلى حقيقة التوحيد ، فإن الاتحاد عندهم هو المبالغة في التوحيد ، والتوحيد معرفة الواحد والأحد فاشتبه ذلك على من لا يفهم إشاراتهم فحملوه على غير محمله فغلطوا وهلكوا بذلك ، والدليل على بطلان اتحاد العبد مع الله تعالى أن الاتحاد بين مربوبين محال ، فإن رجلين مثلا لا يصير أحدهما عين الآخر لتباينهما في ذاتيهما كما هو معلوم ، فالتباين بين العبد والرب سبحانه وتعالى أعظم ، فإذن أصل الاتحاد باطل محال مردود شرعا وعقلا وعرفا بإجماع الأنبياء والأولياء ومشايخ الصوفية وسائر العلماء والمسلمين ، وليس هذا مذهب الصوفية وإنما قاله طائفة غلاة لقلة علمهم وسوء حظهم من الله تعالى ، فشابهوا بهذا القول النصارى الذين قالوا في عيسى عليه السلام اتحد ناسوته بلاهوته ، وأما من حفظه الله تعالى بالعناية فإنهم لم يعتقدوا اتحادا ولا حلولا ، وإن وقع منهم لفظ الاتحاد فإنما يريدون به محو أنفسهم وإثبات الحق سبحانه ، قال : وقد يذكر الاتحاد بمعنى فناء المخالفات وبقاء الموافقات ، وفناء حظوظ النفس من الدنيا وبقاء الرغبة في الآخرة ، وفناء الأوصاف الذميمة ، وبقاء الأوصاف الحميدة ، وفناء الشك وبقاء اليقين ، وفناء الغفلة وبقاء الذكر . قال : وأما قول أبي يزيد البسطامي : سبحاني ما أعظم شاني ، فهو في معرض الحكاية عن الله ، وكذلك قول من قال أنا الحق محمول على الحكاية ، ولا يظن بهؤلاء العارفين الحلول والاتحاد ; لأن ذلك غير مظنون بعاقل ، فضلا عن المتميزين بخصوص المكاشفات واليقين والمشاهدات ، ولا يظن بالعقلاء المتميزين على أهل زمانهم بالعلم الراجح والعمل الصالح والمجاهدة وحفظ حدود الشرع الغلط بالحلول والاتحاد كما غلط النصارى في ظنهم ذلك في حق عيسى عليه السلام ، وإنما حدث ذلك في الإسلام من واقعات جهلة المتصوفة ، وأما العلماء العارفون المحققون فحاشاهم من ذلك . هذا كله كلام معيار المريدين بلفظه ، والحاصل أن لفظ الاتحاد مشترك فيطلق على المعنى المذموم الذي هو أخو الحلول وهو كفر ، ويطلق على مقام الفناء اصطلاحا - اصطلح عليه الصوفية - ولا مشاحة في الاصطلاح ، إذ لا يمنع أحد من استعمال لفظ في معنى صحيح لا محذور فيه شرعا ، ولو كان ممنوعا لم يجز لأحد أن يتفوه بلفظ الاتحاد وأنت تقول بيني وبين صاحبي زيد اتحاد ، وكم استعمل [ ص: 162 ] المحدثون والفقهاء والنحاة وغيرهم لفظ الاتحاد في معان حديثية وفقهية ونحوية ، كقول المحدثين : اتحاد مخرج الحديث ، وقول الفقهاء : اتحد نوع الماشية ، وقول النحاة : اتحد العامل لفظا أو معنى ، وحيث وقع لفظ الاتحاد من محققي الصوفية فإنما يريدون به معنى الفناء الذي هو محو النفس وإثبات الأمر كله لله سبحانه ، لا ذلك المعنى المذموم الذي يقشعر له الجلد ، وقد أشار إلى ذلك سيدي علي بن وفا فقال من قصيدة له :


يظنوا بي حلولا واتحادا وقلبي من سوى التوحيد خالي

فتبرأ من الاتحاد بمعنى الحلول وقال من أبيات أخر :


وعلمك أن هذا الأمر أمري     هو المعنى المسمى باتحاد

فذكر أن المعنى الذي يريدونه بالاتحاد إذا أطلقوه هو تسليم الأمر كله لله ، وترك الإرادة معه ، والاختيار والجري على مواقع أقداره من غير اعتراض ، وترك نسبة شيء ما إلى غيره .

وقال صاحب كتاب نهج الرشاد في الرد على أهل الوحدة والحلول والاتحاد : حدثني الشيخ كمال الدين المراغي عن الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد أنه قال له مرة : الكفار إنما انتشروا في بلادكم لانتشار الفلسفة هناك ، وقلة اعتنائهم بالشريعة والكتاب والسنة ، قال : فقلت له : في بلادكم ما هو شر من هذا ، وهو قول الاتحادية ، فقال : هذا لا يقوله عاقل ، فإن قول هؤلاء كل أحد يعرف فساده ، قال : وحدثني الشيخ كمال الدين المذكور قال : اجتمعت بالشيخ أبي العباس المرسي تلميذ الشيخ الكبير أبي الحسن الشاذلي وفاوضته في هؤلاء الاتحادية ، فوجدته شديد الإنكار عليهم والنهي عن طريقهم ، وقال : أتكون الصنعة هي الصانع ؟ انتهى ، قلت : ولهذا كانت طريقة الشاذلي هي أحسن طرق التصوف ، وهي في المتأخرين نظير طريقة الجنيد في المتقدمين ، وقد قال الشيخ تاج الدين بن السبكي في كتاب جمع الجوامع : وإن طريق الشيخ الجنيد وصحبه طريق مقوم ، وكان والده شيخ الإسلام تقي الدين السبكي يلازم مجلس الشيخ تاج الدين بن عطاء الله يسمع كلامه ووعظه ، ونقل عنه في كتابه المسمى غيرة الإيمان [ ص: 163 ] الجلي فائدة حسنة في حديث : " لا تسبوا أصحابي " فقال : إنه ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت له تجليات فرأى في بعضها سائر أمته الآتين من بعده فقال مخاطبا لهم : لا تسبوا أصحابي ، فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه وارتضى السبكي منه هذا التأويل وقال : إن الشيخ تاج الدين كان متكلم الصوفية في عصره على طريق الشاذلية ، انتهى .

قلت : وهو تلميذ الشيخ أبي العباس المرسي ، والشيخ أبو العباس تلميذ الشاذلي ، وقد طالعت كلام هؤلاء السادة الثلاثة فلم أر فيه حرفا يحتاج إلى تأويل فضلا عن أن يكون منكرا صريحا ، وما أحسن قول سيدي علي بن وفا :

تمسك بحب الشاذلية تلق ما     تروم وحقق ذا الرجاء وحصل
ولا تعدون عيناك عنهم فإنهم     شموس هدى في أعين المتأمل

ثم قال صاحب نهج الرشاد : وما زال عباد الله الصالحون من أهل العلم والإيمان ينكرون حال هؤلاء الاتحادية ، وإن كان بعض الناس قد يكون أعلم وأقدر وأحكم من بعض في ذلك ، وقال الشيخ سعد الدين التفتازاني في شرح المقاصد : وأما المنتمون إلى الإسلام فمنهم بعض غلاة الشيعة القائلون بأنه لا يمتنع ظهور الروحاني في الجسماني كجبريل في صورة دحية الكلبي ، وكبعض الجن أو الشياطين في صورة الأناسي قالوا : فلا يبعد أن يظهر الله تعالى في صورة بعض الكاملين ، وأولى الناس بذلك علي وأولاه ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، قال : ومنهم بعض المتصوفة القائلون بأن السالك إذا أمعن في السلوك وخاض معظم لجة الوصول فربما يحل الله فيه ، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا ، كالنار في الجمر بحيث لا يتمايز أو يتحد به بحيث لا اثنينية ولا تغاير ، وصح أن يقول هو أنا وأنا هو ، قال : وفساد الرأيين غني عن البيان ، قال : وهاهنا مذهبان آخران يوهمان الحلول أو الاتحاد وليسا منه في شيء ، الأول : أن السالك إذا انتهى سلوكه إلى الله وفي الله يستغرق في بحر التوحيد والعرفان بحيث تضمحل ذاته في ذاته تعالى ، وصفاته في صفاته ، وتغيب عن كل ما سواه ، ولا يرى في الوجود إلا الله تعالى ، وهذا هو الذي يسمونه الفناء في التوحيد ، وحينئذ ربما تصدر عنه عبارات تشعر بالحلول أو الاتحاد لقصور العبارة عن بيان تلك الحال وبعد الكشف عنها بالمقال ، ونحن على ساحل التمني نغترف من بحر التوحيد بقدر الإمكان ، ونعترف بأن طريق الفناء فيه العيان دون البرهان والله الموفق .

ثم ذكر في المذهب الثاني وهو القول بالوحدة المطلقة [ وقال : إنه غير الحلول والاتحاد ، وإنه أيضا خارج عن طريق العقل [ ص: 164 ] والشرع ، وإنه باطل وضلال ، وقد سقت بقية كلامه فيه في الكتاب الذي ألفته في ذم القول بالوحدة المطلقة ، فإنه به أجدر ، وذكر السيد الجرجاني في شرح المواقف نحو ذلك ، وقد سقت أيضا عبارته في الكتاب المشار إليه .

وقال العلامة شمس الدين بن القيم في كتابه شرح منازل السائرين : الدرجة الثالثة من درجات الفناء فناء خواص الأولياء وأئمة المقربين ، وهو الفناء عن إرادة السوى ، شائما برق الفنا عن إرادة ما سواه ، سالكا سبيل الجمع على ما يحبه ويرضاه ، فانيا بمراد محبوبه منه عن مراده هو من محبوبه ، فضلا عن إرادة غيره ، قد اتخذ مراده بمراد محبوبه أعني المراد الديني الأمري لا المراد الكوني القدري ، فصار المرادان واحدا قال : وليس في العقل اتحاد صحيح إلا هذا ، والاتحاد في العلم والخبر ، فيكون المرادان والمعلومان والمذكوران واحدا مع تباين الإرادتين والعلمين والخبرين ، فغاية المحبة اتحاد مراد المحب بمراد المحبوب ، وفناء إرادة المحب في مراد المحبوب ، فهذا الاتحاد والفناء هو اتحاد خواص المحبين وفناؤهم ، قد فنوا بعبادته عن عبادة ما سواه وبحبه وخوفه ورجائه والتوكل عليه والاستعانة به والطلب منه عن حب ما سواه ، ومن تحقق بهذا الفناء لا يحب إلا في الله ، ولا يبغض إلا فيه ، ولا يوالي إلا فيه ، ولا يعادي إلا فيه ، ولا يعطي إلا لله ، ولا يمنع إلا لله ، ولا يرجو إلا إياه ، ولا يستعين إلا به ، فيكون دينه كله ظاهرا لله ، ويكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، فلا يواد من حاد الله ورسوله ولو كان أقرب الخلق إليه بل :


يعادي الذي عادى من الناس كلهم     جميعا ولو كان الحبيب المصافيا

وحقيقة ذلك فناؤها عن هوى نفسه وحظوظها بمراضي ربه تعالى وحقوقه ، والجامع لهذا كله تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله علما ومعرفة وعملا وحالا وقصدا ، وحقيقة هذا النفي والإثبات الذي تضمنته هذه الشهادة هو الفناء والبقاء ، ففنى عن تأله ما سواه علما وإفرادا وتعمدا ، وبقي تألهه وحده ، فهذا الفناء وهذا البقاء هو حقيقة التوحيد الذي اتفق عليه المرسلون صلوات الله عليهم ، وأنزلت به الكتب وخلقت لأجله الخليقة ، وشرعت له الشرائع وقامت عليه سوق الجنة وأسس عليه الخلق والأمر ، إلى أن [ ص: 165 ] قال : وهذا الموضع مما غلط فيه كثير من أصحاب الإرادة ، والمعصوم من عصمه الله والله المستعان .

وقال في موضع آخر : وإن كان مشمرا للفناء العالي وهو الفناء عن إرادة السوى لم يبق في قلبه مراد يزاحم مراده الديني الشرعي النبوي القرآني ، بل يتحد المرادان فيصير عين مراد الرب تعالى هو عين مراد العبد ، وهذا حقيقة المحبة الخالصة وفيها يكون الاتحاد الصحيح ، وهو الاتحاد في المراد لا في المريد ولا في الإرادة ، قال : فتدبر هذا الفرقان في هذا الموضع الذي طالما زلت فيه أقدام السالكين وضلت فيه أفهام الواحدين ، انتهى .

وقد تكرر كلام ابن القيم في هذا الكتاب في تضليل الاتحادية والقائلين بالوحدة المطلقة ، وقد سقت منه أشياء في كتابي الذي أشرت إليه فلينظر منه ، والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث