الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل لا تجزئ القيمة في كفارة الظهار

جزء التالي صفحة
السابق

( 6216 ) فصل : ولا تجزئ القيمة في الكفارة . نقلها الميموني ، والأثرم . وهو مذهب الشافعي وخرج بعض أصحابنا من كلام أحمد ، رواية أخرى ، أنه يجزئه . وهو ما روى الأثرم ، أن رجلا سأل أحمد ، قال أعطيت في كفارة خمسة دوانيق ؟ فقال : لو استشرتني قبل أن تعطي لم أشر عليك ، ولكن أعط ما بقي من الأثمان على ما قلت لك . وسكت عن الذي أعطى . وهذا ليس برواية ، وإنما سكت عن الذي أعطى ; [ لأنه ] مختلف فيه ، فلم ير التضييق عليه فيه .

الأمر الثالث ، أن مستحق الكفارة هم المساكين الذين يعطون من الزكاة ، لقول الله تعالى : { إطعام ستين مسكينا } . والفقراء يدخلون فيهم ; لأن فيهم المسكنة وزيادة ، ولا خلاف في هذا . فأما الأغنياء فلا [ ص: 29 ] حق لهم في الكفارة ، سواء كانوا من أصناف الزكاة ، كالغزاة والمؤلفة ، أو لم يكونوا ، لأن الله تعالى خص بها المساكين ، واختلف أصحابنا في المكاتب ; فقال القاضي في ( المجرد ) ، وأبو الخطاب ، في ( الهداية ) : لا يجوز دفعها إليه . وهو مذهب الشافعي . وقال الشريف أبو جعفر ، وأبو الخطاب ، في ( مسائلهما ) : يجوز الدفع إليه . وهو مذهب أبي حنيفة ، وأبي ثور ; لأنه يأخذ من الزكاة لحاجته ، فأشبه المسكين .

ووجه الأولى أن الله تعالى خص بها المساكين ، والمكاتبون صنف آخر ، فلم يجز الدفع إليهم ، كالغزاة والمؤلفة ، ولأن الكفارة قدرت بقوت يوم لكل مسكين ، وصرفت إلى من يحتاج إليها للاقتيات ، والمكاتب لا يأخذ لذلك ، فلا يكون في معنى المسكين . ويفارق الزكاة ، فإن الأغنياء يأخذون منها ، وهم الغزاة ، والعاملون عليها ، والمؤلفة ، والغارمون ، ولأنه غني بكسبه أو بسيده ، فأشبه العامل . ولا خلاف بينهم في أنه لا يجوز دفعها إلى عبد ; لأن نفقته واجبة على سيده ، وليس هو من أصناف الزكاة ، ولا إلى أم ولد ; لأنها أمة نفقتها على سيدها ، وكسبها له ، ولا إلى من تلزمه نفقته . وقد ذكرنا ذلك في الزكاة ، وفي دفعها إلى الزوج وجهان ; بناء على دفع الزكاة إليه . ولا يجوز دفعها إلى كافر . وبهذا قال الشافعي .

وخرج أبو الخطاب وجها في إعطائهم ، بناء على الرواية في إعتاقهم . وهو قول أبي ثور ، وأصحاب الرأي ; لأن الله تعالى قال : { إطعام عشرة مساكين } . وأطلق فيدخلون في الإطلاق . ولنا أنه كافر ، فلم يجز الدفع إليه ، كمساكين أهل الحرب ، وقد سلمه أصحاب الرأي ، والآية مخصوصة بأهل الحرب ، فنقيس عليهم سائر الكفار ، ويجوز صرفها إلى الكبير ، والصغير ، إن كان ممن يأكل الطعام . وإذا أراد صرفه إلى الصغير ، فإنه يدفعه إلى وليه ، يقبض له ; فإن الصغير لا يصح منه القبض . فأما من لا يأكل الطعام ، فظاهر كلام الخرقي أنه لا يجوز الدفع إليه ; لأنه لا يأكله ، فيكون بمنزلة دفع القيمة . وقال أبو الخطاب : يجزئ ; لأنه مسكين يدفع إليه من الزكاة ، فأشبه الكبير .

وإذا قلنا : يجوز الدفع إلى المكاتب ، جاز للسيد الدفع من كفارته إلى مكاتبه ; لأنه يجوز أن يدفع إليه من زكاته ( 6217 ) فصل : ويجوز دفع الكفارة إلى من ظاهره الفقر ، فإن بان غنيا ، فهل تجزئه ؟ فيه وجهان ; بناء على الروايتين في الزكاة . وإن بان كافرا ، أو عبدا ، لم يجزئه ، وجها واحدا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث