الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم

أما قوله تعالى : ( فقنا عذاب النار ) فاعلم أنه تعالى لما حكى عن هؤلاء العباد المخلصين أن ألسنتهم مستغرقة بذكر الله تعالى ، وأبدانهم في طاعة الله ، وقلوبهم في التفكر في دلائل عظمة الله ، ذكر أنهم مع هذه الطاعات يطلبون من الله أن يقيهم عذاب النار ، ولولا أنه يحسن من الله تعذيبهم وإلا لكان هذا الدعاء عبثا ، فإن كان المعتزلة ظنوا أن أول الآية حجة لهم ، فليعلموا أن آخر هذه الآية حجة لنا في [ ص: 115 ] أنه لا يقبح من الله شيء أصلا ، ومثل هذا التضرع ما حكاه الله تعالى عن إبراهيم في قوله : ( والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين ) [ الشعراء : 82 ] .

النوع الثاني من دعواتهم : قوله تعالى حكاية عنهم : ( ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار ) وفيه مسائل :

المسألة الأولى : اعلم أنهم لما سألوا ربهم أن يقيهم عذاب النار أتبعوا ذلك بما يدل على عظم ذلك العقاب وشدته وهو الخزي ، ليكون موقع السؤال أعظم ، لأن من سأل ربه أن يفعل شيئا أو أن لا يفعله ، إذا شرح عظم ذلك المطلوب وقوته كانت داعيته في ذلك الدعاء أكمل وإخلاصه في طلبه أشد ، والدعاء لا يتصل بالإجابة إلا إذا كان مقرونا بالأخص ، فهذا تعليم من الله عباده في كيفية إيراد الدعاء .

المسألة الثانية : قال الواحدي : الإخزاء في اللغة يرد على معان يقرب بعضها من بعض . قال الزجاج : أخزى الله العدو ، أي أبعده ، وقال غيره : أخزاه الله ، أي أهانه ، وقال شمر بن حمدويه : أخزاه الله أي فضحه الله ، وفي القرآن ( ولا تخزوني في ضيفي ) [ هود : 78 ] وقال المفضل : أخزاه الله ، أي أهلكه ، وقال ابن الأنباري : الخزي في اللغة الهلاك بتلف أو انقطاع حجة أو بوقوع في بلاء ، وكل هذه الوجوه متقاربة . ثم قال صاحب الكشاف : " فقد أخزيته " أي قد أبلغت في إخزائه ، وهو نظير ما يقال : من سبق فلانا فقد سبق ، ومن تعلم من فلان فقد تعلم .

المسألة الثالثة : قالت المعتزلة : هذه الآية دالة على أن صاحب الكبيرة من أهل الصلاة ليس بمؤمن ، وذلك لأن صاحب الكبيرة إذا دخل النار فقد أخزاه الله لدلالة هذه الآية ، والمؤمن لا يخزى لقوله تعالى : ( يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه ) [ التحريم : 8 ] فوجب من مجموع هاتين الآيتين أن لا يكون صاحب الكبيرة مؤمنا .

والجواب : أن قوله ( يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه ) لا يقتضي نفي الإخزاء مطلقا ، وإنما يقتضي أن لا يحصل الإخزاء حال ما يكون مع النبي ، وهذا النفي لا يناقضه إثبات الإخزاء في الجملة لاحتمال أن يحصل ذلك الإثبات في وقت آخر ، هذا هو الذي صح عندي في الجواب ، وذكر الواحدي في البسيط أجوبة ثلاثة سوى ما ذكرناه :

أحدها : أنه نقل عن سعيد بن المسيب والثوري وقتادة أن قوله : ( إنك من تدخل النار فقد أخزيته ) مخصوص بمن يدخل النار للخلود ، وهذا الجواب عندي ضعيف ، لأن مذهب المعتزلة أن كل فاسق دخل النار فإنما دخلها للخلود ، فهذا لا يكون سؤالا عنهم .

ثانيها : قال : المدخل في النار مخزي في حال دخوله وإن كانت عاقبته أن يخرج منها ، وهذا ضعيف أيضا لأن موضع الاستدلال أن قوله : ( يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه ) [ التحريم : 8 ] يدل على نفي الخزي عن المؤمنين على الإطلاق ، وهذه الآية دلت على حصول الخزي لكل من دخل النار ، فحصل بحكم هاتين الآيتين بين كونه مؤمنا وبين كونه كافرا ممن يدخل النار منافاة .

وثالثها : قال : الإخزاء يحتمل وجهين :

أحدهما : الإهانة والإهلاك .

والثاني : التخجيل ، يقال : خزي خزاية إذا استحيا ، وأخزاه غيره إذا عمل به عملا يخجله ويستحيي منه .

[ ص: 116 ] واعلم أن حاصل هذا الجواب : أن لفظ الإخزاء لفظ مشترك بين التخجيل وبين الإهلاك ، واللفظ المشترك لا يمكن حمله في طرفي النفي والإثبات على معنييه جميعا ، وإذا كان كذلك جاز أن يكون المنفي بقوله : ( يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه ) غير المثبت في قوله : ( إنك من تدخل النار فقد أخزيته ) وعلى هذا يسقط الاستدلال ، إلا أن هذا الجواب إنما يتمشى إذا كان لفظ الإخزاء مشتركا بين هذين المفهومين ، أما إذا كان لفظا متواطئا مفيدا لمعنى واحد ، وكان المعنيان اللذان ذكرهما الواحدي نوعين تحت جنس واحد ، سقط هذا الجواب لأن قوله : ( يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه ) [ التحريم : 8 ] لنفي الجنس وقوله : ( فقد أخزيته ) لإثبات النوع ، وحينئذ يحصل بينهما منافاة .

المسألة الرابعة : احتجت المرجئة بهذه الآية في القطع على أن صاحب الكبيرة لا يخزى ، وكل من دخل النار فإنه يخزى ، فيلزم القطع بأن صاحب الكبيرة لا يدخل النار . إنما قلنا صاحب الكبيرة لا يخزى ; لأن صاحب الكبيرة مؤمن ، والمؤمن لا يخزى ، إنما قلنا إنه مؤمن لقوله تعالى : ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ) [ الحجرات : 9 ] سمي الباغي حال كونه باغيا مؤمنا ، والبغي من الكبائر بالإجماع ، وأيضا قال تعالى : ( ياأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى ) [ البقرة : 178 ] سمي القاتل بالعمد العدوان مؤمنا ، فثبت أن صاحب الكبيرة مؤمن ، وإنما قلنا إن المؤمن لا يخزى لقوله : ( يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه ) [ التحريم : 8 ] ولقوله : ( ولا تخزنا يوم القيامة ) [ آل عمران : 194 ] .

ثم قال تعالى : ( فاستجاب لهم ربهم ) وهذه الاستجابة تدل على أنه تعالى لا يخزي المؤمنين ، فثبت بما ذكرنا أن صاحب الكبيرة لا يخزى بالنار ، وإنما قلنا إن كل من دخل النار فإنه يخزى لقوله تعالى : ( إنك من تدخل النار فقد أخزيته ) وحينئذ يتولد من هاتين المقدمتين القطع بأن صاحب الكبيرة لا يدخل النار .

والجواب عنه ما تقدم : أن قوله : ( يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه ) [ التحريم : 8 ] لا يدل على نفي الإخزاء مطلقا ، بل يدل على نفي الإخزاء حال كونهم مع النبي ، وذلك لا ينافي حصول الإخزاء في وقت آخر .

المسألة الخامسة : قوله : ( إنك من تدخل النار فقد أخزيته ) عام دخله الخصوص في مواضع منها : إن قوله تعالى : ( وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ثم ننجي الذين اتقوا ) [ مريم : 71 ، 72 ] يدل على أن كل المؤمنين يدخلون النار ، وأهل الثواب يصانون عن الخزي .

وثانيها : أن الملائكة الذين هم خزنة جهنم يكونون في النار ، وهم أيضا يصانون عن الخزي . قال تعالى : ( عليها ملائكة غلاظ شداد ) [ التحريم : 6 ] .

المسألة السادسة : احتج حكماء الإسلام بهذه الآية على أن العذاب الروحاني أشد وأقوى من العذاب الجسماني ، قالوا : لأن الآية دالة على التهديد بعد عذاب النار بالخزي ، والخزي عبارة عن التخجيل وهو عذاب روحاني ، فلولا أن العذاب الروحاني أقوى من العذاب الجسماني وإلا لما حسن تهديد من عذب بالنار بعذاب الخزي والخجالة .

[ ص: 117 ] المسألة السابعة : احتجت المعتزلة بهذه الآية على أن الفساق الذين دخلوا النار لا يخرجون منها بل يبقون هناك مخلدين ، وقالوا : الخزي هو الهلاك ، فقوله : ( إنك من تدخل النار فقد أخزيته ) معناه فقد أهلكته ، ولو كانوا يخرجون من النار إلى الجنة لما صح أن كل من دخل النار فقد هلك . والجواب : أنا لا نفسر الخزي بالإهلاك ، بل نفسره بالإهانة والتخجيل ، وعند هذا يزول كلامكم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث