الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في نواقض الوضوء

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 36 ] ( فصل في نواقض الوضوء ) [ ص: 37 ] المعاني الناقضة للوضوء كل ما يخرج من السبيلين ) لقوله تعالى { أو جاء أحد منكم من الغائط } { وقيل لرسول صلى الله عليه وسلم ما الحدث ؟ قال : ما يخرج من السبيلين } وكلمة ما عامة فتتناول المعتاد وغيره [ ص: 38 ] ( والدم والقيح إذا خرجا من البدن فتجاوزا إلى موضع [ ص: 39 ] يلحقه حكم التطهير ) ، ( والقيء ملء الفم ) وقال الشافعي رحمه الله : الخارج من غير السبيلين لا ينقض الوضوء لما روي { أنه عليه الصلاة والسلام قاء فلم يتوضأ } ولأن غسل غير موضع الإصابة أمر تعبدي فيقتصر على مورد الشرع [ ص: 40 ] وهو المخرج المعتاد ، ولنا قوله صلى الله عليه وسلم { الوضوء من كل دم سائل } [ ص: 41 ] وقوله عليه الصلاة والسلام { من قاء أو رعف في صلاته فلينصرف وليتوضأ وليبن على صلاته ما لم يتكلم } [ ص: 42 ] ولأن خروج النجاسة مؤثر في زوال الطهارة ، وهذا القدر في الأصل معقول ، والاقتصار على الأعضاء الأربعة غير معقول لكنه يتعدى ضرورة تعدي الأول ، غير أن الخروج إنما يتحقق بالسيلان إلى موضع يلحقه حكم التطهير ، وبملء الفم في القيء لأن بزوال القشرة تظهر النجاسة في محلها فتكون بادية لا خارجة ، بخلاف السبيلين [ ص: 43 ] لأن ذلك الوضع ليس بموضع النجاسة فيستدل بالظهور على الانتقال والخروج ، وملء الفم أن يكون بحال لا يمكن ضبطه إلا بتكلف لأنه يخرج ظاهرا فاعتبر خارجا . وقال زفر رحمه الله : قليل القيء وكثيره سواء ، وكذا لا يشترط [ ص: 44 ] السيلان عنده اعتبارا بالمخرج المعتاد ، ولإطلاق قوله عليه الصلاة والسلام { القلس حدث } . ولنا قوله عليه الصلاة والسلام { ليس في القطرة والقطرتين من الدم وضوء إلا أن يكون سائلا } وقول علي رضي الله عنه حين عد الأحداث جملة : أو دسعة تملأ الفم . وإذا تعارضت الأخبار يحمل ما رواه الشافعي رحمه الله على القليل ، وما رواه زفر رحمه الله على الكثير ، والفرق بين المسلكين قد بيناه .

ولو قاء متفرقا بحيث لو جمع يملأ الفم ، فعند أبي يوسف رحمه الله يعتبر اتحاد المجلس ، [ ص: 45 ] وعند محمد رحمه الله يعتبر اتحاد السبب وهو الغثيان ، ثم ما لا يكون حدثا لا يكون نجسا ، يروى ذلك عن أبي يوسف رحمه الله ، وهو الصحيح لأنه ليس بنجس حكما حيث لم تنتقض به الطهارة [ ص: 46 ] ( وهذا إذا قاء مرة أو طعاما أو ماء ، فإن قاء بلغما فغير ناقض ) عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله . وقال أبو يوسف رحمه الله ناقض إذا كان ملء الفم ، والخلاف في المرتقي من الجوف . أما النازل من الرأس فغير ناقض بالاتفاق ; لأن الرأس ليس بموضع النجاسة .

لأبي يوسف رحمه الله أنه نجس بالمجاورة ، ولهما أنه لزج لا تتخلله النجاسة وما يتصل به قليل والقليل في القيء غير ناقض ( ولو قاء دما وهو علق ) ( يعتبر فيه ملء الفم [ ص: 47 ] لأنه سوداء محترقة ) وإن كان مائعا فكذلك عند محمد رحمه الله اعتبارا بسائر أنواعه ، وعندهما إن سال بقوة نفسه ينتقض الوضوء وإن كان قليلا لأن المعدة ليست بمحل الدم فيكون من قرحة في الجوف

التالي السابق


( فصل في نواقض الوضوء ) .

[ ص: 37 ] النقض في الأجسام : إبطال تركيبها ، وفي المعاني : إخراجها عن إفادة ما هو المطلوب منها ( قوله كل ما يخرج ) قيل يعني خروج ما يخرج ليصح الإخبار عن المعاني ، لكن الظاهر أن الناقض هو النجس الخارج لا خروج المخرج للنجس عن كونه مؤثرا للنقض ، مع أن الضد هو المؤثر في رفع ضده .

وصفة النجاسة الرافعة للطهارة إنما هي قائمة بالخارج ، وغاية الخروج أن يكون علة تحققها صفة شرعية : أعني صفة النجاسة فإنها شرعية وذلك لا يضر إذ بعد تحققها عن علتها هي المؤثرة للنقض .

ثم ظاهر الحديث الذي يرويه { ما الحدث ؟ قال : ما يخرج من السبيلين } ، ولم يوجد ما يوجب صرفه عن ظاهره لا إصلاح عبارة بعض المصنفين ، وهذا لا يجوز على أنه غير لازم ; إذ المعنى قد لا يقابل الجوهر ، فإنه يقال على المراد باللفظ جوهرا كان أو عرضا ، وإنما يقابله العرض .

فالناقض الخارج النجس ، والخروج شرط عمل العلة وعلة لها نفسها ; لأنه علة تحقق الوصف الذي هو النجاسة وإلا لم يحصل لأحد طهارة ، فإضافة النقض إلى الخروج إضافة إلى علة العلة ( قوله لقوله تعالى ) وجه التمسك به في عموم ما يخرج دودة كانت أو حصاة أو ريحا إلا ما استثنى منه ، وهو الريح الخارج من القبل ، والدودة منه .

وأما [ ص: 38 ] الريح من الذكر فهو اختلاج لا ريح فلا ينقض كالريح الخارجة من جراحة في البطن أن الغائط المطمئن من الأرض يقصد للحاجة ، والإجماع على أنه ليس نفس المجيء منه ناقضا بل هو كناية عما يلزمه من الخارج ، وإذا لزم فيه كونه في لازمه فحمله على أعم اللوازم وهو الخارج النجس أولى خصوصا مع مناسبة النجس مطلقا لهذا الحكم ، كذا في شرح الجمع .

وقد يقال : إنما يصح على إرادة أعم اللوازم للمجيء ، والخارج النجس مطلقا ليس منه للعلم بأن الغائط لا يقصد قط لمجرد الريح فضلا عن جرح إبرة ونحوه ، فالأولى كونه فيما يحله ، ويستدل على الريح بالإجماع وغيره بالخبر وهو ما ذكر .

روى معناه الدارقطني عن ابن عباس عنه عليه الصلاة والسلام قال { الوضوء مما خرج وليس مما دخل } وضعف بشعبة مولى ابن عباس ، وقال في الكامل : بل بالفضل بن المختار ، قال سعيد بن منصور : إنما يحفظ هذا من قول ابن عباس ، وقال البيهقي : روي عن علي من قوله ، وبهذا { وقوله صلى الله عليه وسلم للمستحاضة : توضئي لوقت كل صلاة } عينا حينئذ أصل قياس الخارج النجس السبيلين على غير وجه الاعتياد ، وفرعه الخارج النجس من غيرهما فيحتج على مالك في نفي ناقضية غير المعتاد والخارج على غير وجه الاعتياد به على هذا المعنى ، ثم الخروج من السبيلين يتحقق بالظهور ، فلو حشي الذكر فالانتقاض بمحاذاة بلة الحشوة رأس الذكر لا بنزوله إلى القصبة وإلى القلفة فيه خلاف .

والصحيح النقض فيه : قال المصنف في التجنيس لأن هذا بمنزلة المرأة إذا خرج من فرجها بول ولم يظهر .

واستشكل بأنهم قالوا : لا يجب على الجنب إيصال الماء إليه ; لأنه خلقة كقصبة الذكر ا هـ .

لكن في الفتاوى الظهيرية إنما علله بالحرج لا بالخلقة ، وهو المعتمد فلا يرد الإشكال ، ولو احتشت في الفرج الداخل فالنقض بمحاذاة حرفه خلافا لأبي يوسف في قوله إذا علمت أنها لو لم تحشه لخرج نقض ، ولو أدخلت أصبعها فيه نقض ; لأنها لا تخلو عن بلة ، وكذا العود في الدبر كالمحقنة وغيرها تعتبر فيه البلة إذا كان طرف منه خارجا ولو غيبه نقض إذا أخرج بلا تفصيل في الفتاوى والتجنيس .

وكذا القطنة إذا غيبها في الإحليل ثم خرجت ولو ابتلت بالبول ، ولم تجاوز رأسه ، غير أنه لولاها خرج لم ينقض ، والمجبوب إذا ظهر بوله بموضع الجب إن كان يقدر على إمساكه متى شاء نقض ، وإلا فحتى يسيل ; لأنه كالجرح ، ولو كان به حصاة فبط ذلك الموضع وأخرجها فاستمال البول إليه فكالجرح ، وإن كان بذكره بط ، أي شق له رأسان أحدهما يخرج منه ماء يسيل في مجرى الذكر والآخر في غيره ، ففي الأول ينقض بالظهور وفي الثاني بالسيلان ، وإذا تبين الخنثى أنه امرأة فذكره كالجرح أو رجل ففرجه كالجرح وينتقض في الآخر بالظهور ، ولو أقطر في إحليله دهنا فسال منه لا ينقض خلافا لأبي يوسف ، بخلاف ما إذا احتقن بالدهن ثم سال حيث يعيد الوضوء لاختلاطه بالنجاسة ، بخلاف الإحليل للحائل عند أبي حنيفة ، ولو احتشت في فرجها الخارج فما لم تبتل أو تصل البلة إلى حرف الداخل لا ينقض ، أو في الداخل فسد الصوم ولا ينقض ( قوله فتجاوزا ) عطف تفسيري ، فإن [ ص: 39 ] الخروج في غير السبيلين هو تجاوز النجاسة إلى موضع التطهير ، فالمعنى إذا خرجا بأن تجاوزا إلا أن يحمل الخروج على الظهور فليس به ، والمعنى إذا ظهرا فتجاوزا ، فلو خرج من جرح في العين دم فسال إلى الجانب الآخر منها لا ينتقض ; لأنه يلحقه حكم هو وجوب التطهير أو ندبه ، بخلاف ما لو نزل من الرأس إلى ما لان من الأنف ; لأنه يجب غسله في الجنابة ومن النجاسة فينقض ، ولو ربط الجرح فنفذت البلة إلى طاق لا إلى الخارج نقض ، ويجب أن يكون معناه إذا كان بحيث لولا الربط سال ; لأن القميص لو تردد على الجرح فابتل لا ينجس ما لم يكن كذلك ; لأنه ليس بحدث ، ولو بزق فخرج فيه دم قدر الريق نقض لا إن كان الريق غالبا ، ولو أخذه من رأس الجرح قبل أن يسيل مرة فمرة إن كان بحال لو تركه سال نقض وإلا لا .

وفي المحيط : حد السيلان أن يعلو وينحدر عن أبي يوسف ، وعن محمد إذا انتفخ على رأس الجرح وصار أكبر من رأسه نقض ، والصحيح لا ينقض .

وفي الدراية جعل قول محمد أصح ، ومختار السرخسي الأول وهو أولى .

وفي مبسوط شيخ الإسلام : تورم رأس الجرح فظهر به قيح ونحوه لا ينقض ما لم يجاوز الورم ; لأنه لا يجب غسل موضع الورم فلم يتجاوز إلى موضع يلحقه حكم التطهير ، ثم الجرح والنقطة وماء الثدي والسرة والأذن إذا كان لعلة سواء على الأصح ، وعلى هذا قالوا : من رمدت عينه وسال الماء منها وجب عليه الوضوء .

فإذا استمر فلوقت كل صلاة .

وفي التجنيس الغرب في العين إذا سال منه ماء نقض ; لأنه كالجرح وليس بدمع ، ولو خرج من سرته ماء أصفر وسال نقض ; لأنه دم قد نضج فاصفر وصار رقيقا .

والغرب بالتحريك : ورم في المآقي ، وفي المحيط : مص القراد فامتلأ إن كان صغيرا لا ينقض كما لو مص الذباب ، وإن كان كبيرا نقض كمص العلقة ( قوله وقال الشافعي إلخ ) حاصل الأقوال المذكورة في الكتاب لا ينقض مطلقا ، وينقض عند زفر مطلقا سال أو لا ، امتلأ الفم من القيء أو لا ، وعندنا ينقض بالشرط المذكور وكل روى لمذهبه ما يؤيده ولنتكلم عليها .

أما حديث { أنه صلى الله عليه وسلم قاء فلم يتوضأ } فلم يعرف .

وأما حديث { الوضوء من كل دم سائل } فرواه الدارقطني من طريق ضعيفة ، ورواه ابن عدي في الكامل من أخرى وقال : لا نعرفه إلا من حديث أحمد بن فروخ ، وهو ممن لا يحتج بحديثه ولكنه يكتب ، فإن الناس مع ضعفه قد احتملوا حديثه ا هـ لكن قال ابن أبي حاتم في كتاب العلل : قد كتبنا عنه ومحله عندنا [ ص: 40 ] الصدق ، وقد تظافر معه حديث البخاري عن عائشة : { جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إليه صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة ؟ قال لا : إنما ذلك عرق وليست بالحيضة ، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم } قال هشام بن عروة : قال أبي : { ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت } واعترض بأنه كلام عروة ، ودفع بأنه خلاف الظاهر ، وأيضا لو كان لقال تتوضأ لكل صلاة ، فلما قال توضئي على مشاكلة الأول المنقول لزم كونه من قائل الأول ، وهذا لأن لفظ اغسلي خطاب النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة وليس عروة مخاطبا لها ليكون قوله ثم توضئي خطابا منه لها فلزم كونه من المخاطب بالأول ، وهو النبي صلى الله عليه وسلم . وقد رواه الترمذي كذلك ولم يحمله على ذلك ، ولفظه { وتوضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت } وصححه .

وما رواه الدارقطني من { أنه صلى الله عليه وسلم احتجم وصلى ولم يتوضأ ، ولم يزد على غسل محاجمه } فضعيف .

وأما حديث { من قاء أو رعف } إلى آخره فرواه ابن ماجه عن إسماعيل بن عياش عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن عائشة قال صلى الله عليه وسلم { من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي فلينصرف فليتوضأ ثم ليبن على صلاته ، وهو في ذلك لا يتكلم } . ولفظ ثم ليبن على صلاته ما لم يتكلم رواه الدارقطني . وقال الحفاظ من أصحاب ابن جريج : يروونه عن ابن جريج عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا انتهى . وقد تكلم في ابن عياش . وجملة الحاصل فيه أنه يحتج من حيث الشاميين لا الحجازيين ، وأخرجه البيهقي من جهة الدارقطني عن ابن جريج عن أبيه عنه صلى الله عليه وسلم مرسلا وقال هذا هو الصحيح ، ثم نقل عن الشافعي أنه بتقدير الصحة يحمل على غسل الدم لا وضوء الصلاة ، ودفع بأنه غير صحيح ، وإلا لبطلت الصلاة فلم يجز البناء . وابن عياش قد وثقه ابن معين ، وزاد في الإسناد عن عائشة والزيادة من الثقة مقبولة ، والمرسل عندنا وعند جمهور العلماء حجة ، وسيأتي زيادة فيه من الآثار في باب الحدث في الصلاة فإن المصنف أعاده فيه ، والأفصح في رعف الفتح ، والقلس : الخارج من الغثيان .

والقيء مع سكون النفس يكون .

وقد أخرج أبو داود والترمذي والنسائي عن حسين المعلم بسنده إلى معدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء { أنه صلى الله عليه وسلم قاء فتوضأ ، قال : فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فذكرت ذلك له فقال : صدق أنا صببت له وضوءه } قال الترمذي : وهو أصح شيء في هذا الباب . وأعله الخصم بالاضطراب . فإن معمرا رواه عن يحيى بن أبي كثير عن يعيش عن خالد بن معدان عن أبي الدرداء ولم يذكر فيه الأوزاعي . وأجيب أن اضطراب بعض الرواة لا يؤثر [ ص: 41 ] في ضبط غيره . قال ابن الجوزي : قال الأثرم : قلت لأحمد قد اضطربوا في هذا الحديث . فقال : قد جوده حسين المعلم ، وقد قال الحاكم : هو على شرطهما ، وروي مثل هذا عن ابن عمر .

وفي مصنف عبد الرزاق : أخبرنا الثوري عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي رضي الله عنه قال : إذا وجد أحدكم رزءا أو رعافا أو قيئا فلينصرف وليتوضأ ، فإن تكلم استقبل ولا اعتد بما مضى والحارث ضعف ، ومثله عن سليمان بن عمر .

وإذا ثبت هذا عنه صلى الله عليه وسلم وجب تقديمه على المضي في الصلاة لذلك الصحابي الذي جرح في الصلاة بلا مرية

وقول من قال : لم يصح في نقض الوضوء وعدمه بالدم والقيء والضحك حديث إن سلم لم يقدح ; لأن الحجية لا تتوقف على الصحة بل الحسن كاف على أنه رأى هذا القائل ، فأما مجتهد علم بالاختلاف في صحة الحديث وغلب على رأيه صحته فهو صحيح بالنسبة إليه ، إذ مجرد الخلاف في ذلك لا يمنع من الترجيح وثبوت الصحة .

وأما حديث القلس حدث فرواه الدارقطني وهو ضعيف ، وفي الإطلاق الكائن في حديث ابن عياش غنية عنه .

وأما حديث { ليس في الفطرة } إلى آخره فرواه الدارقطني من طريقين في أحدهما محمد بن الفضل بن عطية وفي الآخر حجاج بن نصير وقد ضعفا ، ولفظة القطرة والقطرتين كناية على القلة ، ولفظ سائلا كناية عن الكثرة ، فإن لفظة القطرة في العرف يراد به القلة وضده ماء سائل ، وإلا فحقيقة القطرة إذا وجدت نقض اتفاقا فلا بد من صرفه عن ظاهره بطريق صناعي كما ذكرنا .

وأما قول علي أو دسعة تملأ الفم فلم يعرف .

وروى البيهقي في الخلافيات عنه صلى الله عليه وسلم : { يعاد الوضوء من سبع : من إقطار البول والدم السائل والقيء ، ومن دسعة تملأ الفم ، ونوم المضطجع ، وقهقهة الرجل في الصلاة ، وخروج الدم } . وفيه سهل بن عفان والجارود بن يزيد وهما ضعيفان ، فحصل لنا من ذلك كله حجية حديث فاطمة بنت أبي حبيش وحديث ابن عياش وحديث أبي الدرداء فلا يعارضها غيرها مما رواه الشافعي ، ولو أرخينا العنان وجعلناها تتعارض فإن جمعنا ، وهو أولى عند الإمكان كان محمل ما رواه الشافعي على القليل في القيء وما لم يسل ، وما رواه زفر على الكثير توفيقا بين الأدلة ، وإن أسقطناها صرنا إلى القياس وهو ما ذكر بقوله : إن خروج النجاسة مؤثر في زوال الطهارة شرعا ، وهذا القدر في الأصل معقول : أي عقل في الأصل وهو الخارج من السبيلين أن زوال الطهارة عنده وهو الحكم إنما هو بسبب أنه نجس خارج من البدن إذ لم يظهر لكونه من خصوص السبيلين تأثير ، وقد وجد في الخارج من غيرهما فيتعدى الحكم إليه ، فالأصل الخارج من السبيلين ، وحكمه زوال طهارة يوجبها الوضوء ، وعلته خروج النجاسة من البدن ، وخصوص المحل ملغى .

[ ص: 42 ] والفرع الخارج النجس من غيرهما وفيه المناط فيتعدى إليه زوال الطهارة التي يوجبها الوضوء فثبت أن موجب هذا القياس ثبوت زوال طهارة الوضوء ، وإذا صار زائل طهارته فعند إرادة الصلاة يتوجه عليه خطاب الوضوء وهو تطهير الأعضاء الأربعة فلا حاجة إلى إثبات تعدية الاقتصار ضمنا أصلا كما ذكره في الكتاب والاشتغال بتقريره كما في الشروح ، وإذا صار خروج النجاسة من غير السبيلين كخروجها من السبيلين يرد أن يقال : فلم اشترطتم للنقض في غيرهما السيلان مع أنه ليس بشرط فيهما ؟ فأجاب بقوله : غير أن الخروج إلى آخره : [ ص: 43 ] أي النقض بالخروج ، وحقيقته من الباطن إلى الظاهر وذلك بالظهور في السبيلين يتحقق لا بالظهور في غيرهما وبيانه في الكتاب ظاهر ، واشتراط ملء الفم بأن لا يمكنه ضبطه إلا بتكلف ; لأنه حينئذ يخرج ظاهرا فاعتبر خارجا ملاحظة [ ص: 44 ] لبطون الفم فإن له بطونا معتبرا شرعا ، حتى لو ابتلع الصائم ريقه لا يفسد صومه ، كما لو انتقلت النجاسة من محل إلى آخر في الجوف وظهورا حتى لا يفسد الصوم بإدخال الماء فيه فراعينا الشبهين ، فلا ينقض القليل ملاحظة للبطون وينقض الكثير للآخر ; لأنه يخرج ظاهرا إذا لم يضبطه إلا بتكلف ، وقيل : أن يزيد على نصف الفم .

وقيل : أن يعجز عن إمساكه ، وقيل : أن يمنعه الكلام ، وقيل أن يجاوز الفم ، والأصح ما في الكتاب ( قوله بين المسلكين ) [ ص: 45 ] يعني السبيلين وغيرهما ( قوله : وهو الصحيح ) احتراز عن قول محمد : إنه نجس ، وكان الإسكاف والهندواني يفتيان بقوله ، وجماعة اعتبروا قول أبي يوسف رفقا بأصحاب القروح حتى لو أصاب ثوب أحدهم أكثر من قدر [ ص: 46 ] الدرهم لا تمتنع الصلاة فيه ، مع أن الوجه يساعد ; لأنه ثبت أن الخارج بوصف النجاسة حدث ، وأن هذا الوصف قبل الخروج لا يثبت شرعا وإلا لم يحصل لإنسان طهارة ، فلزم أن ما ليس حدثا لم يعتبر خارجا شرعا ، وما لم يعتبر خارجا لم يعتبر نجسا ، فلو أخذ من الدم البادي في محله بقطنة وألقى في الماء لم يتنجس ( قوله وما يتصل به قليل والقليل في القيء غير ناقض ) وعلى هذا يظهر ما في المجتبى عن الحسن لو تناول طعاما أو ماء ثم قاء من ساعته لا ينتقض ; لأنه طاهر حيث لم يستحل ، وإنما اتصل به قليل القيء فلا يكون حدثا فلا يكون نجسا ، وكذا الصبي إذا ارتضع وقاء من ساعته .

قيل : هو المختار ، وما في القنية : لو قاء دودا كثيرا أو حية ملأت فاه لا ينقض ، ولو قاء بلغما وطعاما إن كانت الغلبة للطعام وكان بحال لو انفرد يبلغ ملء الفم تنتقض طهارته ، وإن كان بحال لو انفرد البلغم ملأه فعلى الخلاف .

وإن كانا سواء لا ينقض ، كذا في الخلاصة .

وفي صلاة المحسن قال : العبرة للغالب ، ولو استويا يعتبر كل على حدة .

وعجز هذا أولى من عجز ما في الخلاصة .

هذا وكان الطحاوي يميل إلى قول أبي يوسف بناء على أنه نجس ; لأنه أحد الأركان كالدم والصفراء ، ويكره أن يأخذه بطرف كمه .

وألحق بالقيء ماء فم النائم إذا صعد [ ص: 47 ] من الجوف بأن كان أصفر أو منتنا عن أبي نصر ، وعن أبي الليث هو كالبلغمي ، وقيل نجس عند أبي يوسف خلافا لمحمد ، وهذا معنى قول أبي الليث : ولو نزل من الرأس فطاهر اتفاقا .

[ فرع ]

عن أبي حنيفة قاء طعاما أو ماء فأصاب إنسانا شبرا في شبر لا يمنع ، قال المحسن : ما لم يفحش ا هـ .

وهذا يقتضي أن نجاسة القيء مخففة ، ولا يعرى عن إشكال ; إذ لا خلاف ولا تعارض فيه ، ويمكن حمله على ما إذا قاء من ساعته ، بناء على أنه إذا فحش غلب على الظن كون المتصل به القدر المانع ، وبما دونه ما دونه .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث