الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                              صفحة جزء
                                                                                              3009 [ 1696 ] وعن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى من يهودي طعاما إلى أجل ورهنه درعا له من حديد.

                                                                                              رواه البخاري (2068)، ومسلم (1603) (126).

                                                                                              التالي السابق


                                                                                              و (قوله: إنه صلى الله عليه وسلم اشترى من يهودي طعاما إلى أجل، ورهنه درعا له من حديد ) فيه دليل على جواز معاملة أهل الذمة - مع العلم بأنهم يبيعون الخمر، [ ص: 518 ] ويأكلون الربا - لأنا قد أقررناهم على ما بأيديهم من ذلك، وكذلك: لو أسلموا لطاب لهم ذلك، وليس كذلك المسلم الذي يعمل بشيء من ذلك، لا يقر على ذلك، ولا يترك بيده على ما تقدم، ولا يجوز أن يعامل من كان كسبه من ذلك، وإذا تاب تصدق بما بيده منه. وأما أهل الحرب: فيجوز أن يعاملوا، ويشترى منهم كل ما يجوز لنا شراؤه وتملكه. ويباع منهم كل شيء من العروض، والحيوان ما لم يكن ذلك مضرا بالمسلمين مما يحتاجون إليه، وما خلا آلة الحرب، وعدته، وما يخاف أن يتقووا به على المسلمين، فلا يباع منهم شيء منه، ولا يباع منهم ولا من أهل الذمة مسلم ولا مصحف. وقال ابن حبيب : لا يباع من أهل الحرب: الحرير، ولا الكتان، ولا البسط؛ لأنهم يتجملون بذلك في حروبهم، ولا الطعام، لعلهم أن يضعفوا.

                                                                                              وفيه من الفقه: جواز الأخذ بالدين عند الحاجة كما تقدم، وجواز الاستيثاق بالرهن والكفالة في الدين والسلم. وقد منع الرهن في السلم زفر ، والأوزاعي . وهذا الحديث؛ أعني: حديث عائشة رضي الله عنها حجة عليهم؛ إذ لا فرق بين الدين والسلم. وكذلك عموم قوله تعالى: إذا تداينتم بدين [البقرة: 282] الآية.

                                                                                              وفيه دليل: على جواز الرهن في الحضر، وهو قول الجمهور. ومنعه مجاهد ، وداود ، وهذا الحديث حجة عليهم. ولا حجة لهم في قوله تعالى: وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة [البقرة: 283] لأنه تمسك بالمفهوم في مقابلة المنظوم. وهو فاسد بما قررناه في الأصول. ومعنى الرهن [ ص: 519 ] عندنا: احتباس العين وثيقة بالحق ليستوفى الحق من ثمنها، أو من ثمن منافعها عند تعذر أخذه من الغريم. ويلزم الرهن بالعقد، ويجبر الراهن على دفع الرهن ليحوزه المرتهن عندنا خلافا للشافعي، وأبي حنيفة ، فإنهما قالا: لا يجبر عليه، ولا يلزم. والحجة عليهما قوله تعالى: أوفوا بالعقود [المائدة: 1] وهذا عقد، وقوله: وأوفوا بالعهد [الإسراء: 34] وهذا عهد، وقوله صلى الله عليه وسلم: ( المؤمنون عند شروطهم ). وهذا شرط، والقبض عندنا شرط في كمال فائدته، واختصاص المرتهن به، خلافا لهما، فإن القبض عندهما شرط في لزومه وصحته. ثم إذا حصل الحوز فمتى رجع إلى الراهن باختيار المرتهن بطل الرهن عندنا وعند أبي حنيفة . غير أن أبا حنيفة قال: إن رجع إلى يده بعارية أو وديعة لم يبطل. وقال الشافعي : إن رجوعه إلى يد الراهن مطلقا لا يبطل حكم القبض المتقدم. ودليلنا قوله تعالى: فرهان مقبوضة [البقرة: 283] فإذا خرج عن يد القابض إلى يد المقبوض منه لم يصدق عليه ذلك اللفظ لغة، ولا يصدق عليه حكما. واستيفاء هذه المباحث في المطولات.




                                                                                              الخدمات العلمية