الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله

جزء التالي صفحة
السابق

تنبيه

أخذ ابن عباس من هذه الآية الكريمة أن الخلع فسخ ولا يعد طلاقا ; لأن الله تعالى قال : الطلاق مرتان ، ثم ذكر الخلع بقوله : فلا جناح عليهما فيما افتدت به [ 2 \ 229 ] ; لم يعتبره طلاقا ثالثا ثم ذكر الطلقة الثالثة بقوله : فإن طلقها فلا تحل له من بعد الآية [ 2 \ 230 ] .

وبهذا قال عكرمة ، وطاوس وهو رواية عن عثمان بن عفان وابن عمر ، وهو قول إسحاق بن راهويه ، وأبي ثور وداود بن علي الظاهري كما نقله عنهم ابن كثير وغيره ، وهو قول الشافعي في القديم وإحدى الروايتين عن أحمد .

قال مقيده عفا الله عنه : الاستدلال بهذه الآية على أن الخلع لا يعد طلاقا ليس بظاهر عندي ; لما تقدم مرفوعا إليه صلى الله عليه وسلم من أن الطلقة الثالثة هي المذكورة في قوله : أو تسريح بإحسان ، وهو مرسل حسن .

قال في " فتح الباري " : والأخذ بهذا الحديث أولى ، فإنه مرسل حسن يعتضد بما أخرجه الطبري من حديث ابن عباس بسند صحيح ، قال : " إذا طلق الرجل امرأته تطليقتين فليتق الله في الثالثة ، فإما أن يمسكها فيحسن صحبتها ، أو يسرحها فلا يظلمها من حقها شيئا " .

وعليه ففراق الخلع المذكور لم يرد منه إلا بيان مشروعية الخلع عند خوفهما ألا يقيما حدود الله ; لأنه ذكر بعد الطلقة الثالثة . وقوله : فإن طلقها إنما كرره ; ليرتب عليه ما يلزم بعد الثالثة ، الذي هو قوله : فلا تحل له من بعد الآية . ولو فرعنا على أن قوله تعالى : أو تسريح بإحسان [ 2 \ 229 ] ، يراد به عدم الرجعة ، وأن الطلقة الثالثة هي المذكورة في قوله : فإن طلقها فلا تحل له الآية [ 2 \ 230 ] ، لم يلزم من ذلك أيضا عدم عد الخلع طلاقا ; لأن الله تعالى ذكر الخلع في معرض منع الرجوع فيما يعطاه الأزواج . فاستثنى منه صورة جائزة ، ولا يلزم من ذلك عدم اعتبارها [ ص: 143 ] طلاقا ، كما هو ظاهر من سياق الآية .

وممن قال بأن الخلع يعد طلاقا بائنا مالك ، وأبو حنيفة ، والشافعي في الجديد ، وقد روي نحوه عن عمر ، وعلي ، وابن مسعود ، وابن عمر ، وبه قال سعيد بن المسيب ، والحسن ، وعطاء ، وشريح ، والشعبي ، وإبراهيم ، وجابر بن زيد ، والثوري ، والأوزاعي ، وأبو عثمان البتي ، كما نقله عنهم ابن كثير وغيره .

غير أن الحنفية عندهم أنه متى نوى المخالع بخلعه تطليقة أو اثنتين ، أو أطلق فهو واحدة بائنة ، وإن نوى ثلاثا فثلاث ، وللشافعي قول آخر في الخلع وهو : أنه متى لم يكن بلفظ الطلاق وعري عن النية فليس هو بشيء بالكلية ، قاله ابن كثير .

ومما احتج به أهل القول بأن الخلع طلاق ما رواه مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن جهمان مولى الأسلميين ، عن أم بكر الأسلمية أنها اختلعت من زوجها عبد الله خالد بن أسيد ، فأتيا عثمان بن عفان في ذلك فقال تطليقة ، إلا أن تكون سميت شيئا فهو ما سميت .

قال الشافعي : ولا أعرف جهمان ، وكذا ضعف أحمد بن حنبل هذا الأثر ، قاله ابن كثير والعلم عند الله تعالى .

وروى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود مثله ، وتكلم فيه بأن في سنده ابن أبي ليلى ، وأنه سيئ الحفظ ، وروي مثله عن علي وضعفه ابن حزم ، والله تعالى أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث