الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


وحدثني عن مالك عن يزيد بن خصيفة أنه سأل سليمان بن يسار عن رجل له مال وعليه دين مثله أعليه زكاة فقال لا قال مالك الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا في الدين أن صاحبه لا يزكيه حتى يقبضه وإن أقام عند الذي هو عليه سنين ذوات عدد ثم قبضه صاحبه لم تجب عليه إلا زكاة واحدة فإن قبض منه شيئا لا تجب فيه الزكاة فإنه إن كان له مال سوى الذي قبض تجب فيه الزكاة فإنه يزكى مع ما قبض من دينه ذلك قال وإن لم يكن له ناض غير الذي اقتضى من دينه وكان الذي اقتضى من دينه لا تجب فيه الزكاة فلا زكاة عليه فيه ولكن ليحفظ عدد ما اقتضى فإن اقتضى بعد ذلك عدد ما تتم به الزكاة مع ما قبض قبل ذلك فعليه فيه الزكاة قال فإن كان قد استهلك ما اقتضى أولا أو لم يستهلكه فالزكاة واجبة عليه مع ما اقتضى من دينه فإذا بلغ ما اقتضى عشرين دينارا عينا أو مائتي درهم فعليه فيه الزكاة ثم ما اقتضى بعد ذلك من قليل أو كثير فعليه الزكاة بحسب ذلك قال مالك والدليل على الدين يغيب أعواما ثم يقتضى فلا يكون فيه إلا زكاة واحدة أن العروض تكون عند الرجل للتجارة أعواما ثم يبيعها فليس عليه في أثمانها إلا زكاة واحدة وذلك أنه ليس على صاحب الدين أو العروض أن يخرج زكاة ذلك الدين أو العروض من مال سواه وإنما يخرج زكاة كل شيء منه ولا يخرج الزكاة من شيء عن شيء غيره قال مالك الأمر عندنا في الرجل يكون عليه دين وعنده من العروض ما فيه وفاء لما عليه من الدين ويكون عنده من الناض سوى ذلك ما تجب فيه الزكاة فإنه يزكي ما بيده من ناض تجب فيه الزكاة وإن لم يكن عنده من العروض والنقد إلا وفاء دينه فلا زكاة عليه حتى يكون عنده من الناض فضل عن دينه ما تجب فيه الزكاة فعليه أن يزكيه

التالي السابق


593 594 - ( مالك ، عن يزيد ) بتحتية فزاي ( بن خصيفة ) بمعجمة ثم مهملة ، مصغر ، نسبة إلى جده فهو يزيد بن عبد الله بن خصيفة بن عبد الله بن يزيد الكندي المدني ، ثقة من رجال [ ص: 157 ] الجميع ( أنه سأل سليمان بن يسار ) أحد الفقهاء ( عن رجل له مال وعليه دين مثله أعليه زكاة ؟ فقال : لا ) زكاة عليه ، وبه قال مالك وأبو حنيفة والشافعي إذا لم يكن له عرض ولا مال غيره ، وللشافعي قول آخر أن الدين لا يمنع الزكاة ; لأنها في عين المال والدين في الذمة . ( قال مالك : الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا في الدين أن صاحبه لا يزكيه حتى يقبضه ) لأنه لا يقدر على تنميته ( وإن أقام عند الذي هو عليه ) أي المدين ( سنين ذوات عدد ثم قبضه صاحبه لم يجب عليه إلا زكاة واحدة ) إذ لو وجبت لكل عام لأدى إلى أن الزكاة تستهلكه ، ولهذه العلة لم تطلب في أموال القنية ; لأن الزكاة مواساة في الأموال الممكن تنميتها فلا تفنيها الزكاة غالبا . ( فإن قبض منه شيئا لا تجب فيه الزكاة ) لنقصه عن النصاب ( فإنه إن كان له مال سوى الذي قبض ، تجب فيه الزكاة فإنه يزكى ) بالبناء للمفعول ، ولابن وضاح : يزكيه مبنيا للفاعل وهاء الضمير ( مع ما قبض من دينه ذلك ) وكذا إن كان ما عنده أقل من نصاب قد حال عليه الحول ، ثم قبض ما إذا أضافه إليه تم به نصاب فإنه يزكي يوم القبض عنهما ، فإن لم يحل الحول على ما بيده لم يزك ما قبض من دينه حتى يبلغ نصابا . ( قال : وإن لم يكن له ناض غير الذي اقتضى من دينه ، وكان الذي اقتضى من دينه لا تجب فيه الزكاة فلا زكاة عليه فيه ، ولكن لا يحفظ عدد ما اقتضى ، فإن اقتضى بعد ذلك عدد ما تتم به الزكاة مع ما قبض قبل ذلك فعليه فيه الزكاة ) لأنه مال واحد حال عليه الحول ، فإذا بلغ النصاب زكاه . ( قال : فإن كان قد استهلك ما اقتضى أولا أو لم يستهلكه فالزكاة واجبة عليه مع ما اقتضى من دينه ، فإذا بلغ ما اقتضى عشرين دينارا عينا أو مائتي درهم فعليه فيه الزكاة [ ص: 158 ] ثم ما اقتضى بعد ذلك من قليل أو كثير فعليه الزكاة بحسب ذلك ) فيزكي ما قبض ولو دينارا أو درهما ( قال : والدليل على الدين يغيب أعواما يقتضى فلا يكون فيه إلا زكاة واحدة أن العروض تكون عند الرجل ) وصف طردي ، فالمراد عند التاجر المحتكر ، ولو أنثى ، ( للتجارة أعواما ثم يبيعها ، فليس عليه في أثمانها إلا زكاة واحدة ) فاستدل بقياس الدين على عرض المحتكر ، والجامع بينهما عدم القدرة على النماء ( وذلك أنه ليس على صاحب الدين أو العروض أن يخرج زكاة ذلك الدين أو العروض من مال سواه ) كعين عنده ( وإنما يخرج زكاة كل شيء منه ، ولا يخرج زكاة من شيء عن شيء غيره ) ليس يقدر على نمائه كما أفاده ما قبله ، أما إن وجبت بقبض الدين أو ثمن العروض المحتكرة فله أن يخرج ما وجب عليه فيها من سواها ، ولا يتعين الإخراج منها كما له أن يخرج ذهبا عن فضة وعكسه .

( قال مالك : الأمر عندنا في الرجل يكون عليه دين وعنده من العروض ما فيه وفاء لما عليه من الدين ، ويكون عنده من الناض ) الذهب والفضة ( سوى ذلك ما ) أي قدر ( تجب فيه الزكاة فإنه يزكي ما بيده من ناض تجب فيه الزكاة ) ويجعل العروض في مقابلة الدين . ( وإذا لم يكن عنده من العروض والنقد إلا وفاء دينه ، فلا زكاة عليه حتى يكون عنده من الناض فضل ) أي زيادة ( عن دينه ما تجب فيه الزكاة فعليه أن يزكيه ) فما قابل الدين ولو نقدا لا زكاة فيه .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث