الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 199 ] قال الشيخ الإمام أبو العباس أحمد، المؤلف رحمه الله، ونضر وجهه:

قد أتيت في جميع سور القرآن، على ما شرطته في صدر الديوان، وأنا ذاكر على إثر ذلك أصول القراءات، وأجمل منها ههنا ما بسطته في "الكبير" إن شاء الله تعالى، وهو المستعان، وحسبنا، ونعم الوكيل.

* * *

[ ص: 200 ] [ ص: 201 ] بسم الله الرحمن الرحيم

القول في الهمز

اختلاف القراء فيه على خمسة أضرب; وهي: الهمزة الساكنة المنفردة، والهمزة المتحركة المنفردة، والهمزتان المجتمعتان، ونقل حركة الهمزة إلى الساكن الذي قبلها وحذفها، والوقف على المهموز.

فأما الهمزة الساكنة; فروى الأعشى، عن أبي بكر، عن عاصم، ترك كل همزة ساكنة، كانت فاء، أو عينا، أو لاما، وهو مذهب أبي جعفر وشيبة، ووافقهم أبو عمرو على ذلك إذا أدرج القراءة، أو قرأ في الصلاة، واستثنى بعض رواته حروفا قاس عليها ابن مجاهد همز ثلاثين موضعا، سكونها علامة للجزم، وموضعين ترك الهمز فيهما أثقل من الهمز، وموضعين يخرج بترك همزهما من لغة إلى لغة، وموضع يوقع ترك همزه في الكلمة التباسا; [ ص: 202 ] فاستثنى هذه المواضع، فهمزها، وهي خمسة وثلاثون موضعا:

في (البقرة) : {ننسأها} [البقرة: 106]، وكل ما تصرف من (أنبأت) وهو مجزوم، وهو ستة مواضع، و {تسؤهم} في [آل عمران: 120]، و [المائدة: 101]. و [التوبة: 50]، وكل {يشاء} مجزوم، وذلك ثلاثة عشر موضعا، و {أرجئه} في موضعين [الأعراف: 111، الشعراء: 36]، و وهيئ لنا [الكهف: 10]، و ويهيئ لكم [الكهف: 16]، و {اقرأ} في ثلاثة مواضع [الإسراء: 14، العلق: 1، 3]، و {وتؤوي} في موضعين [الأحزاب: 51]، و {ورئيا} [مريم: 74]، و {مؤصدة} في موضعين (البلد: 20، الهمزة: 8].

[ ص: 203 ] ووافقهم ورش عن نافع على ترك الهمز في ما الهمزة فيه فاء الفعل خاصة; نحو {مؤمن} [البقرة: 221]، و {يؤثرون} [الحشر: 9]، واختلف عنه فيما تصرف من (أويت) ; نحو: {المأوى} ; فروي الهمز وتركه.

ويهمز ما الهمزة فيه عين أو لام; نحو {سؤلك} [طه: 36]، و {شئتم} [البقرة: 58]، واستثنى ثلاثة أحرف فترك همزها; وهي (البئر) ، و {الذئب} [يوسف: 13]، و {بئس} [البقرة: 126].

هذا حكم الهمزة الساكنة عندهم، وما خرج عنه من زيادة أو نقص في بعض الروايات; فمذكور في "الكبير" .

وأما الهمزة المتحركة المنفردة; فروى ورش عن نافع إبدال كل همزة هي فاء الفعل مفتوحة وقبلها ضمة واوا; نحو: {مؤذن} [الأعراف: 44]، و {يؤخركم} [إبراهيم: 10].

[ ص: 204 ] ونقل ذلك الأعشى، عن أبي بكر، عن عاصم، وزاد إبدال كل همزة انفتحت، وقبلها كسرة ياء; نحو: {فئة} [البقرة: 249]، و {مائة} [البقرة: 259]، إلا أن الأعشى لا يراعي كونها في موضع الفاء، بل يبدلها على كل حال، ووافقه على ذلك أبو جعفر وشيبة، وزادا ترك همز {الصابئين} [البقرة: 62]، و {الصابئون} [المائدة: 69]، و {الخاطئين} [يوسف: 29]، و {الخاطئون} [الحاقة: 37]، و {يستنبئونك} [يونس: 53]، و {متكئون} [يس: 56]، و {متكئين} [الكهف: 31]، و {مستهزئون} [البقرة: 14]، وما أشبه ذلك، ويضمان ما قبل الواو، ويكسران ما قبل الياء، ولا يبقيان للهمزة عوضا، ووافقهما نافع من ذلك على {الصابئين} ، و {الصابئون} .

وأما اجتماع الهمزتين; فإن كانتا مفتوحتين في كلمة; نحو: {أأنذرتهم} [البقرة: 6]; فنافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وهشام عن ابن عامر: يسهلون الثانية بين بين ويدخلون بينها وبين الأولى ألفا، سوى ابن كثير; فإنه لا يدخل الألف، وقد روي عن ورش إبدال الثانية ألفا محضة، وحقق الهمزتين بقية السبعة، وروي عن ابن هرمز إدخال الألف بين الهمزتين مع التحقيق.

[ ص: 205 ] فإن كانت الأولى مفتوحة، والثانية مضمومة من كلمة; نحو: {أؤنبئكم} [آل عمران: 15]، وهي ثلاثة مواضع في القرآن، ورابع قد ذكرته في (الزخرف) [19]، والثلاثة: {أؤنبئكم} [آل عمران: 15]، و {أؤنزل} [ص: 8]، و {أؤلقي} [القمر: 25]; فنافع، وابن كثير، وأبو عمرو: يخففون الهمزة الثانية بين همزة وواو، إلا أن ورشا وابن كثير لا يدخلان ألفا، وقالون وأبو عمرو يدخلانها، باختلاف عن أبي عمرو، وحقق هشام الهمزتين في (آل عمران) [15]) ، وقرأ: {أؤنزل} [ص: 8]، و {أؤلقي} [القمر: 25] كقالون، وحقق الهمزتين بقية السبعة.

وإن كانت الأولى مفتوحة، والثانية مكسورة من كلمة; فنافع، وابن كثير، وأبو عمرو: يخففون الثانية بين همزة وياء، ولم يدخل ابن كثير وورش ألفا، وأدخلها قالون، وأبو عمرو.

وحقق هشام عن ابن عامر الهمزتين، إلا أنه أدخل ألفا مع التحقيق في ثمانية عشر موضعا:

في (الأعراف) : (أإنكم لتأتون الرجال) [81]، أإن لنا لأجرا [113]، وفي (الرعد) : أإنا لفي خلق جديد [5]) ، وفي (بني إسرائيل) : [ أإنا لمبعوثون خلقا جديدا [ ص: 206 ] في موضعين [الإسراء: 49، 98]، وفي (مريم) : أإذا ما مت [66]، وفي (المؤمنين) : أإنا لمبعوثون [82]]، وفي (الشعراء) : أإن لنا لأجرا [41]، وفي (النمل) : أإذا كنا ترابا [67]، وفي (العنكبوت) : أإنكم لتأتون الرجال [29]، وفي (الم السجدة) : أإنا لفي خلق جديد [10]، وفي (الصافات) : أإنا لمبعوثون [16]، أإنا لمدينون [53]، أإنك لمن المصدقين [52]، أإفكا آلهة [86]، وفي (الواقعة) : أإذا متنا وكنا ترابا [47]، أإنا لمبعوثون [47]، وفي (النازعات) أإنا لمردودون [10].

وحقق بقية السبعة الهمزتين في هذا الأصل من غير إدخال ألف.

فإن اجتمعت الهمزتان بالفتح من كلمتين; نحو: جاء أحدهم [المؤمنون: 99]; حذف أبو عمرو، وقالون عن نافع، والبزي عن ابن كثير: الأولى، وحققوا الثانية، وحقق ورش، وقنبل عن ابن كثير الأولى، وأبدلا الثانية ألفا، وحقق الهمزتين جميعا بقية السبعة.

فإن اجتمعتا مضمومتين أو مكسورتين في كلمتين; نحو: على البغاء إن أردن [النور: 33]، و أولياء أولئك [الأحقاف: 32]، وليس في القرآن [ ص: 207 ] مضمومتين من كلمتين سواه; فأبو عمرو يحذف الأولى في الأصلين، وورش وقنبل يحققان الأولى، ويبدلان الثانية ياء في المكسورتين، وواوا في المضمومتين، وقالون والبزي يجعلان الأولى من المكسورتين بين همزة وياء، ومن المضمومتين بين همزة وواو، [ويحققان الثانية]، وبقية السبعة يحققون الهمزتين.

فإن كانت الهمزتان مختلفتي الحركات من كلمتين; خفف الثانية نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وحقق بقية السبعة، والتخفيف: أن تجعل بين الهمزة والحرف الذي منه حركتها، إلا أن تنفتح وقبلها ضمة; نحو: السفهاء ألا} [البقرة: 13]; فتبدل واوا محضة، أو تنفتح وقبلها كسرة; فتبدل ياء; نحو: من في السماء أن يخسف [الملك: 16].

هذا اختصار مذاهب القراء المشهورين بالمغرب، على المشهور من تراجم الرواة عنهم، ولم أستقص التراجم ولا الروايات المذكورة في {الكبير} .

[ ص: 208 ] وأما نقل الحركة; فروى ورش عن نافع نقل حركة الهمزة إلى الساكن الذي قبلها إذا كانا من كلمتين، وكان الساكن حرفا سالما; نحو: من آمن [البقرة: 62]، و قد أفلح [المؤمنون: 1]، و صفحا أن كنتم [الزخرف: 5]، ولام المعرفة; نحو: {الآخرة} [البقرة: 94]، و {الأرض} [البقرة: 11]، ولم ينقل إذا جاءا في كلمة إلا في ردءا يصدقني [القصص: 34].

ولا ينقل على حروف المد واللين، فإن انفتح ما قبل الواو والياء; نقل; نحو: خلوا إلى شياطينهم [البقرة: 14]، و ذواتي أكل خمط [سبأ: 16].

وروي عنه في هاء السكت النقل وتركه، وهو قوله: كتابيه إني [الحاقة 19 - 20].

ووافقه قالون على ردءا يصدقني [القصص: 34]، و {آلآن} في الموضعين من (يونس) [51، 91]، و عادا الأولى [النجم: 50]، ووافقه أبو عمرو في عادا الأولى خاصة، وانفرد قالون بهمزة ساكنة بعد اللام في عادا الأولى مع إلقاء الحركة، [ ص: 209 ] ومن وافقه من الرواة سوى من ذكرناه مذكور في "الكبير" .

وكان الأعشى، عن أبي بكر، عن عاصم، يسكت على كل ساكن قبل الهمزة سكتة خفيفة، كان الساكن سالما، أو معتلا، كانا في كلمتين، أو كلمة، وروي عن قتيبة عن الكسائي السكت وتركه، والصحيح في مذهب حمزة في رواية خلف عن سليم عنه: أنه لم يكن يسكت على حروف المد واللين، ولا على الساكن الذي يكون مع الهمزة في كلمة إلا الياء من {شيء} خاصة، ويسكت على لام المعرفة، وعلى سوى ما ذكرناه.

وأما الوقف على المهموز; فالقراء يقفون كما يصلون، وحمزة عنه روايات قد تقصيناها في "الكبير" ، أشهرها: أنه كان يترك الهمز في الوقف على الكلمة التي الهمزة في وسطها أو طرفها، واختلف عنه إذا كانت في حكم أول; نحو: بأن الله [البقرة: 176]، و {هؤلاء} [البقرة: 31]، و لقاءنا ائت [يونس: 15]، [ ص: 210 ] وشبهه، فروي التخفيف والتحقيق على ما بسطته في "الكبير" .

ولا خلاف في المشهور عنه في تحقيق المبتدأة.

واختصار هذا الباب: أن الهمزة إن كانت ساكنة; أبدلها حرفا كالحرف الذي منه حركة ما قبلها; نحو: {سؤلك} [طه: 36]، و {الرأس} [مريم: 4]، و {البأس} [البقرة: 177]، و {بئس} [هود: 99].

وإذا قلبت واوا، وقبلها [ضمة، وبعدها] واو; نحو: {وتؤوي} [الأحزاب: 51]، أو ياء، وقبلها [كسرة، وبعدها] ياء; نحو {رئيا} [مريم: 74]; جاز الإدغام والإظهار.

وإن كانت متحركة متحركا ما قبلها; جعلها بين الهمزة والحرف الذي منه حركتها، إلا أن تكون مفتوحة وقبلها ضمة; فيبدلها واوا; نحو: {المؤلفة} [التوبة: 60]، أو مفتوحة وقبلها كسرة; نحو {فئة} [البقرة: 249]; فيبدلها ياء.

[ ص: 211 ] واختلف في أصلين; وهما: أن تكون مضمومة وقبلها كسرة، أو مكسورة وقبلها ضمة; فمذهب سيبويه: بين بين، حسب ما تقدم، ومذهب الأخفش: إبدال الهمزة حرفا كالحرف الذي منه حركة ما قبلها في الأصلين.

فإن كانت الهمزة المتحركة المتحرك ما قبلها في طرف الكلمة; ففي تخفيفها أربعة أوجه:

الأول: إبدالها حرفا كالحرف الذي منه حركة ما قبلها في كل حال.

والثاني: جعلها بين بين في كل حال.

والثالث: إبدال المفتوحة، وجعل المضمومة والمكسورة بين بين.

والرابع: أن تبدل حرفا كالحرف الذي منه حركة نفسها.

وقد ذكرت ذلك مبسوطا في "الكبير" ، وذكرت ما استثني من الحروف في هذه المذاهب.

فإن كانت الهمزة متحركة وقبلها ساكن سالم; ألقيت حركتها عليه، وحذفت; نحو: {المشأمة} [الواقعة: 9]، و {النشأة} [العنكبوت: 20]، و {مسئولا} [الإسراء: 34]، ونظائره، والمشهور عنه: الحذف من غير تعويض; كما يفعل من يقول:

[ ص: 212 ] (المراة) ، و (النشاة) .

واختلف عنه من هذا الأصل في قوله: {هزؤا} [البقرة: 67]، و {كفؤا} [الإخلاص: 4]، و {جزءا} [البقرة: 260]; فروي فيهن أربعة أوجه:

الأول: إلقاء الحركة في الثلاث.

والثاني: إبدال الهمزة واوا في جميعهن، ويحتمل مع ذلك ضم ما قبل الواو، وإسكانها.

والثالث: إلقاء الحركة في قوله: {جزءا} ، وإبدال الهمزة واوا [مع الإسكان في {هزؤا} ، و {كفؤا} .

والرابع: إلقاء الحركة في {جزءا} ، وإبدالها في {هزؤا} و {كفؤا} واوا] مع ضم ما قبل الواو.

وذكر عنه في {موئلا} [الكهف: 58]: إجراؤه على الأصل المتقدم، وذكر أيضا: إبدال الهمزة واوا، والإدغام، وذكر: إبدالها ياء، وهو شاذ.

وذكر في {الموءودة} [التكوير: 8]: الإجراء على الأصل المتقدم، وذكر:

[ ص: 213 ] {المودة} ; كـ (الموزة) ، وذكر عنه غير ذلك مما ذكرته في "الكبير" .

فإن كان الساكن الذي قبلها واوا أصلية، أو ياء أصلية; نحو: {سوءة} [المائدة: 31]، و {كهيئة} [آل عمران: 49]، و {المسيء} [غافر: 58]، و {السوء} [النساء: 17]; فالحكم فيه كالحكم في الساكن السالم.

وإن كانتا مختلفتين; فالحكم أيضا كذلك، ولم تقعا مختلفتين قبل الهمزة في القرآن على قراءة حمزة.

وإن كانت الواو والياء زائدتين للمد واللين، ووقعتا قبل الهمزة; أبدلت الهمزة ياء مع الياء، وأدغمت، وواوا مع الواو، وأدغمت; نحو {النسيء} [التوبة: 37]، و {قروء} [البقرة: 228].

وقد حكي في الأصليتين [المتقدم ذكرهما نحو ذلك، وذهب بعضهم في الأصليتين] - إذا انضم ما قبل الواو، وانكسر ما قبل الياء - إلى ذلك، فإن [ ص: 214 ] خالفت الحركة التي قبلهما جنسهما; أجريتا مجرى السالم.

وقد روي في حروف من هذين الأصلين - أعني: كون الواو والياء قبل الهمزة زائدتين، أو أصليتين - جعل الهمزة بين بين، وهو شاذ في الرواية والقياس.

وإذا كانت التي قبلها ساكن سالم، أو ياء أو واو أصليتان; في طرف الكلمة; فالحكم فيها كالحكم في المتوسطة، إلا أن حمزة يروم ويشم في الحركة الملقاة إذا كانت ضمة أو كسرة، ولا يروم إذا كانت فتحة.

فإن وقع قبل الهمزة المتحركة ألف; جعلت الهمزة بين بين، وإذا كانت في طرف الكلمة; كان فيها أربعة أوجه:

الأول: حذف الهمزة، والوقوف على الألف في كل حال.

[والثاني: إبدالها ألفا، والجمع بين ألفين في كل حال].

والثالث: جعلها بين بين [في كل حال.

والرابع: جعلها بين بين] في الرفع والجر، والحذف في النصب.

[ ص: 215 ] هذا عقد أصول هذا الباب، وبقيت حروف منفردة:

منها: تراءى الجمعان [الشعراء: 61]: الأحسن إجراؤه على الأصل في جعل الهمزة بين بين مع إمالتها، وإمالة ما قبلها، وما بعدها في الوقف، وتحكم ذلك المشافهة.

فأما الوصل; فحمزة يميل الألف التي بعد الراء، وينحو بفتحة الراء نحو الكسرة، ويفتح الهمزة، وروي عنه أيضا في {تراءى} في الوقف: أنه يقف بألف ممالة، وروي عنه أيضا: الوقف بألفين، مع الإمالة.

ومنها: {رأى} [الأنعام: 76] إذا لم يلقه ساكن، وروي عن حمزة فيه: أنه يترك الهمز، ويمد، ويميل; ومعنى ذلك: جعل الهمزة بين بين، وإمالة الراء والهمزة المسهلة والألف.

وروي في الذي لقيه ساكن: ترك الهمز، ولا يمد، والراء والألف ممالان; ومعناه: حذف الهمزة، وإبدالها ألفا على غير قياس، وحذف إحدى الألفين، هذا إن قدر رجوع الألف الساقطة في الوصل، فإن لم يقدر رجوعها; فالهمزة تسكن في الوقف، فتقلب ألفا.

ومنها: {جبرئيل} [البقرة: 98]، و {وميكائيل} [البقرة: 98]، و {إسرائيل} [ ص: 216 ] [البقرة: 40]: من جعل كل اسم منها اسما غير مركب; خفف الهمزة، ومن جعل (جبر) و (ميكا) و (إسرا) مضافة إلى (إيل) ; جاز التحقيق والتخفيف.

ومنها: {يبنؤم} في (طه) [94]: أجيز فيه لحمزة الوقف بالتحقيق وبالتسهيل; لكونه متصلا في الخط، والتحقيق في الذي في (الأعراف) [150] لا غير; لكونه منفصلا في الخط.

ومنها: {هأنتم} [آل عمران: 119]: يجوز فيه التحقيق والتخفيف، والتحقيق أحسن إن قدرت (ها) للتنبيه، والتخفيف أحسن إن قدرت الهاء مبدلة من همزة.

ويجوز في {حينئذ} [الواقعة: 84]، و {يومئذ} [آل عمران: 167]: التحقيق والتخفيف; لكونهما في الأصل من كلمتين.

وروي عنه في برآء منكم [الممتحنة: 4]: الوقف بالتحقيق، وإجراؤه في التخفيف على الأصل المتقدم، وروي فيه وجه شاذ; وهو أن تبدل الهمزة الأولى واوا، والثانية ألفا.

[ ص: 217 ] وجاءت عنه رواية: أنه كان يخفف الهمزة في الوقف إلا ما كان تخفيفه يغير المعنى; نحو: {رئيا} [مريم: 74] الذي يلتبس بـ (ري الشارب) في التخفيف، و {برآء} الذي يلتبس في التخفيف بـ (برا) ، جمع (برة) : حلقة تجعل في أنف البعير.

[وجاءت عنه رواية أخرى: أنه كان يخفف في الوقف إلا فيما كان سكونه علامة للجزم].

وجاءت عنه أيضا رواية: أنه كان يتبع في وقفه خط المصحف، وقد بسطت ذلك كله في "الكبير" ، وهذا اختصار مذهبه في هذا الباب.

وهشام عن ابن عامر يوافقه في تخفيف الهمزة المتطرفة في جميع هذا الباب، ولا يوافقه في المتوسطة، والقراء سواهما يقفون بالتحقيق فيما يهمزونه.

فهذه مذاهب القراء في الهمز، وربما شذت حروف ذكرتها في مواضعها من السور; لخروجها عن الأصول، فلم أعد ذكرها، وربما تركت ذكر ما شذ [ ص: 218 ] في الرواية مما ذكرته في "الكبير" ; إذ لم أبن هذا المختصر على استقصاء الروايات، وكذلك أفعل في سائر الأصول إن شاء الله عز وجل.

* * *

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث