الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ولقد أرسلنا موسى بآياتنا

جزء التالي صفحة
السابق

وقوله - عز وجل -: ولقد أرسلنا موسى بآياتنا ؛ أي: البرهان الذي دل على صحة نبوته؛ نحو إخراج يده بيضاء؛ وكون العصا حية. وقوله - عز وجل -: أن أخرج قومك ؛ [ ص: 155 ] أي: "بأن أخرج قومك"؛ المعنى: "أرسلناه بأن يخرج قومه من الظلمات إلى النور"؛ أي: من ظلمات الكفر إلى نور الإسلام؛ و"أن"؛ ههنا؛ يصلح أن يكون في معنى "أن"؛ المخففة؛ وتكون مفسرة؛ ويكون المعنى: "ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أي أخرج قومك"؛ كأن المعنى: "قلنا له: أخرج قومك".

ومثل هذا: وانطلق الملأ منهم أن امشوا ؛ "أي امشوا"؛ والتأويل: "قالوا لهم: امشوا"؛ قال سيبويه : تقول: "كتبت إليه أن قم؛ وأمرته أن قم"؛ إن شئت كانت "أن"؛ وصلت بالأمر؛ والتأويل تأويل الخبر؛ المعنى: "كتبت إليه أن يقوم؛ وأمرته أن يقوم"؛ إلا أنها وصلت بلفظ الأمر للمخاطب؛ والمعنى معنى الخبر؛ كما تقول: "أنت الذي فعلت"؛ والمعنى: "أنت الذي فعل"؛ قال: ويجوز أن يكون في معنى "أي"؛ ومثله: "أرسلت إليه أن ما أنت وذا؟".

وقوله: وذكرهم بأيام الله ؛ "وذكرهم"؛ عطف على "أخرج"؛ وتذكيرهم بأيام الله؛ أي: تذكيرهم بنعم أيام الله عليهم؛ وبنقم الله التي انتقم فيها من قوم نوح ؛ وعاد ؛ وثمود ؛ أي: ذكرهم بالأيام التي سلفت لمن كفر؛ وما نزل بهم فيها؛ وذكرهم بنعم الله.

والدليل على أن التذكير مشتمل على الإنذار والتحذير مما نزل بمن قبلهم قوله - عز وجل - بعد هذه الآية -: ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم ؛ أي: ألم يأتهم أخبار أولئك والنوازل بهم؟ لا يعلمهم إلا الله ؛ فأعلم الله أن بعد هؤلاء أمما قد مضى من كان يعلم أنباءها؛ ومن هذا [ ص: 156 ] قيل: "كذب النسابون"؛ لأنهم لا يعلمون من كان بعد هؤلاء؛ وهذا يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم

يروى عن ابن مسعود أنهم عضوا أناملهم غيظا مما أتتهم به الرسل؛ وقيل: "ردوا أيديهم في أفواههم"؛ أومؤوا إلى الرسل أن اسكتوا؛ وقيل: "ردوا أيديهم"؛ الهاء والميم يرجعان على الرسل؛ المعنى: ردوا أيدي الرسل؛ أي: نعم الرسل؛ لأن مجيئهم بالبينات نعم؛ تقول: "لفلان عندي يد"؛ أي: نعمة؛ ومعنى "في أفواههم"؛ بأفواههم؛ أي: "ردوا تلك النعم بالنطق بالتكذيب لما جاءت به الرسل"؛ والمعنى أن الرد جاء في هذه الجهة؛ وفي معناها؛ كما تقول: "جلست في البيت"؛ وجلست بالبيت"؛ وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به ؛ هذا هو الرد.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث