الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


2678 [ ص: 324 ] كتاب الطلاق

هو مشتق من الإطلاق، وهو الإرسال والترك. ومنه: طلقت البلاد. أي: تركتها.

ويقال: طلقت المرأة، وطلقت: بفتح اللام وضمها. والفتح أفصح.

"تطلق"، بضمها فيهما.

باب: في الرجل يطلق امرأته وهي حائض

وقال النووي : (باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها وأنه لو خالف: وقع الطلاق، ويؤمر برجعتها) .

حديث الباب

وهو بصحيح مسلم \ النووي ص 64 جـ 10 المطبعة المصرية

[عن نافع أن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض فسأل عمر النبي صلى الله عليه وسلم، فأمره أن يرجعها، ثم يمهلها حتى تحيض حيضة أخرى، ثم يمهلها حتى تطهر، ثم يطلقها قبل أن يمسها ، فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء.

قال: فكان ابن عمر إذا سئل عن الرجل يطلق امرأته وهي [ ص: 325 ] حائض يقول: أما أنت طلقتها واحدة أو اثنتين: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره: أن يرجعها، ثم يمهلها حتى تحيض حيضة أخرى، ثم يمهلها حتى تطهر، ثم يطلقها قبل أن يمسها.

وأما أنت طلقتها ثلاثا فقد عصيت ربك فيما أمرك به من طلاق امرأتك وبانت منك].

التالي السابق


(الشرح)

(عن نافع، أن ابن عمر) رضي الله عنهما، (طلق امرأته)

قال في النيل: اسمها: آمنة بنت غفار. كما حكاه جماعة، منهم:

النووي . وابن باطش.

"وغفار" بكسر الغين، وتخفيف الفاء. وفي مسند أحمد: أن اسمها: "النوار". انتهى. (وهي حائض) . وفي رواية: (وهي في دمها حائض) . وفي أخرى للبيهقي: (أنه طلقها في حيضها) .

(فسأل عمر النبي صلى الله عليه وسلم) .

[ ص: 326 ] قال ابن العربي: سؤال عمر، محتمل لأن يكون ذلك لكونهم لم يروا قبلها مثلها، فسأله ليعلم.

ويحتمل: أن يكون لما رأى في القرآن: " فطلقوهن لعدتهن ".

ويحتمل: أن يكون سمع من النبي صلى الله عليه وآله وسلم النهي، فجاء ليسأل عن الحكم بعد ذلك.

(فأمره: أن يراجعها) ، وفي رواية: (مره: فليراجعها) .

قال ابن دقيق العيد: يتعلق بذلك مسألة أصولية. وهي أن الأمر بالأمر بالشيء، هل هو أمر بذلك الشيء أولا؟ فإنه صلى الله عليه وآله وسلم قال لعمر: "مرة".

والمسألة معروفة في كتب الأصول، والخلاف فيها مشهور.

وقد ذكر الحافظ في الفتح: أن من مثل بهذا الحديث لهذه المسألة، فهو غالط. فإن القرينة واضحة: في أن عمر في هذه الكائنة، كان مأمورا بالتبليغ. ولهذا وقع في رواية نافع: "فأمره أن يراجعها".

[ ص: 327 ] قال في النيل: وظاهر الأمر: الوجوب. فتكون مراجعة من طلقها زوجها على تلك الصفة: واجبة. وقد ذهب إلى ذلك: مالك، وأحمد في رواية. والمشهور عنه، وهو قول الجمهور: الاستحباب فقط.

لكن صحح صاحب الهداية من الحنفية: أنها واجبة.

واتفقوا على أنه: لو طلق قبل الدخول وهي حائض، لم يؤمر بالمراجعة. إلا ما نقل عن زفر.

ثم يمهلها حتى تحيض حيضة أخرى، ثم يمهلها حتى تطهر، ثم يطلقها قبل أن يمسها.

قال الشافعية: يحرم طلاقها في طهر جامعها فيه، حتى يتبين حملها.

لئلا تكون حاملا فيندم. فإذا بان الحمل، دخل بعد ذلك في طلاقها على بصيرة فلا يندم. فلا تحرم، ولو كانت الحائض حاملا.

فالصحيح على ما نص عليه الشافعي: أنه لا يحرم طلاقها. لأن تحريم الطلاق في الحيض، إنما كان لتطويل العدة، لكونه: لا يحسب "قرءا".

وأما الحامل الحائض: فعدتها بوضع الحمل، فلا يحصل في حقها تطويل. [ ص: 328 ] قاله النووي .

قلت: ظاهر قوله: "حتى تطهر، ثم يطلقها": جواز الطلاق حال الطهر، ولو كان هو الذي يلي الحيضة التي طلقها فيه. وبه قال أبو حنيفة.

وذهب أحمد، وأبو يوسف، ومحمد: إلى المنع.

واستدل المانعون ما في الرواية الأخرى، بلفظ: "ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض فتطهر". وكذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم في أخرى: "فليراجعها، فإذا اغتسلت... الحديث"

(فتلك العدة التي أمر الله عز وجل: (أن يطلق لها النساء) . استدل بهذا المذهب الشافعي، ومالك، وموافقيهما،: على أن "الأقراء" في العدة، هي الأطهار. لأنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: "ليطلقها في الطهر إن شاء" كما في الرواية الأخرى. ومعلوم: أن الله لم يأمر بطلاقهن في الحيض، بل حرمه. والضمير في تلك: يعود إلى الحالة المذكورة، وهي حالة الطهر. أو إلى العدة.

ومن قال: يعود إلى الحيضة فقد غلط. لأن الطلاق في الحيض: غير مأمور به، بل محرم.

وأجمع العلماء; من أهل الفقه، والأصول، واللغة، على أن "القرء": يطلق في اللغة على الحيض، وعلى الطهر.

[ ص: 329 ] واختلفوا في الأقراء، المذكورة في قوله تعالى: { ثلاثة قروء } وفيما تنقضي به العدة; فقال مالك، والشافعي، وآخرون: هي الأطهار.

وقال أبو حنيفة، والأوزاعي، وآخرون: هي الحيض. وهو مروي عن عمر، وعلي، وابن مسعود. وبه قال الثوري، وزفر، وإسحاق، وآخرون من السلف. وهو أصح الروايتين عن أحمد.

وتمام هذا البحث في النووي ، فراجعه.

(فكان ابن عمر، إذا سئل عن الرجل: يطلق امرأته وهي حائض، يقول: أما أنت طلقتها واحدة، أو اثنتين: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره: أن يراجعها، ثم يمهلها حتى تحيض حيضة أخرى، ثم يمهلها حتى تطهر، ثم يطلقها قبل أن يمسها)

استدل بذلك; على أن الطلاق في طهر جامع فيه: حرام. وبه صرح الجمهور.

[ ص: 330 ] وهل يجبر على الرجعة، إذا طلقها في طهر وطئها فيه، كما يجبر إذا طلقها حائضا؟

قال بذلك بعض المالكية. والمشهور عندهم: الإجبار إذا طلق في الحيض، لا إذا طلق في طهر وطئ فيه.

وقال داود: يجبر إذا طلقها حائضا، لا إذا طلقها نفساء.

(وأما أنت طلقتها ثلاثا، فقد عصيت ربك فيما أمرك به، من طلاق امرأتك، وبانت منك

وفي رواية أخرى: "كان ابن عمر إذا سئل عن ذلك، قال لأحدهم: أما إن طلقت امرأتك مرة، أو مرتين: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمرني بهذا". أي: بالرجعة. "وإن كنت طلقت ثلاثا، فقد حرمت عليك، حتى تنكح زوجا غيرك، وعصيت الله عز وجل، فيما أمر به: من طلاق امرأتك". رواه أحمد، ومسلم، والنسائي.

قال: أجمعت الأمة، على تحريم طلاق الحائض الحائل، بغير رضاها. فلو طلقها، أثم ويؤمر بالرجعة، لحديث الباب.

[ ص: 331 ] قال: وشذ بعض أهل الظاهر فقال: لا يقع طلاقه، لأنه غير مأذون له فيه. فأشبه طلاق الأجنبية.

قال: والصواب الأول. وبه قال العلماء كافة. ودليلهم: أمره بمراجعتها. ولو لم يقع لم تكن رجعة.

قال: وقد صرح "ابن عمر"، بأنه حسبها: "طلقة".

قال: وأجمعوا على أنه إذا طلقها، يؤمر برجعتها. وهذه الرجعة مستحبة لا واجبة.

قال: هذا مذهبنا. وقال مالك: هي واجبة. انتهى حاصله. وقد تقدم: أن ظاهر الحديث: الوجوب.

وفي وقوع هذا الطلاق، وعدم وقوعه: كلام طويل لأهل العلم، لا يتسع المقام لبسطه. لكن ستأتي الإشارة إلى الراجح منه، قريبا "إن شاء الله تعالى".



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث