الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة المحرم ممنوع من الطيب

جزء التالي صفحة
السابق

( 2351 ) مسألة : قال : ( ولا يتطيب المحرم ) أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من الطيب . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في المحرم الذي وقصته راحلته : { لا تمسوه بطيب } . رواه مسلم . وفي لفظ : ( لا تحنطوه ) . متفق عليه . فلما منع الميت من الطيب لإحرامه ، فالحي أولى . ومتى تطيب ، فعليه الفدية ; لأنه استعمل ما حرمه الإحرام ، فوجبت عليه الفدية ، كاللباس . ومعنى الطيب : ما تطيب رائحته ، ويتخذ للشم ، كالمسك ، والعنبر ، والكافور ، والغالية ، والزعفران ، وماء الورد ، والأدهان المطيبة ، كدهن البنفسج ونحوه .

( 2352 ) فصل : والنبات الذي تستطاب رائحته على ثلاثة أضرب : أحدها ، ما لا ينبت للطيب ، ولا يتخذ منه ، كنبات الصحراء ، من الشيح والقيصوم والخزامى ، والفواكه كلها من الأترج والتفاح والسفرجل وغيره ، وما ينبته الآدميون لغير قصد الطيب ، كالحناء والعصفر ، فمباح شمه ، ولا فدية فيه . ولا نعلم فيه خلافا ، إلا ما روي عن ابن عمر ، أنه كان يكره للمحرم أن يشم شيئا من نبات الأرض ، من الشيح والقيصوم وغيرهما . ولا نعلم أحدا أوجب في ذلك شيئا ، فإنه لا يقصد للطيب ، ولا يتخذ منه طيب ، أشبه سائر نبات الأرض . قد روي { أن أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم كن يحرمن في المعصفرات } . الثاني ، ما ينبته الآدميون للطيب ، ولا يتخذ منه طيب ، كالريحان الفارسي ، والمرزجوش والنرجس ، والبرم ، ففيه وجهان ; أحدهما ، يباح بغير فدية .

قاله عثمان بن عفان ، وابن عباس ، والحسن ، ومجاهد ، وإسحاق . والآخر ، يحرم شمه ، فإن فعل فعليه الفدية . وهو قول جابر ، وابن عمر ، والشافعي ، وأبي ثور ; لأنه يتخذ للطيب ، فأشبه الورد . وكرهه مالك ، وأصحاب الرأي ، ولم يوجبوا فيه شيئا . وكلام أحمد فيه محتمل لها ; فإنه قال في الريحان : ليس من آلة المحرم . ولم يذكر فديته ; وذلك لأنه لا يتخذ منه طيب ، فأشبه العصفر . [ ص: 148 ] الثالث ، ما ينبت للطيب ، ويتخذ منه طيب ، كالورد والبنفسج والياسمين والخيري ، فهذا إذا استعمله وشمه ، ففيه الفدية ; لأن الفدية تجب فيما يتخذ منه ، فكذلك في أصله .

وعن أحمد ، رواية أخرى في الورد : لا فدية عليه في شمه ; لأنه زهر شمه على جهته ، أشبه زهر سائر الشجر . وذكر أبو الخطاب في هذا والذي قبله روايتين . والأولى تحريمه ; لأنه ينبت للطيب ، ويتخذ منه ، أشبه الزعفران والعنبر . قال القاضي : يقال إن العنبر ثمر شجر ، وكذلك الكافور .

( 2353 ) فصل : وإن مس من الطيب ما يعلق بيده ، كالغالية ، وماء الورد ، والمسك المسحوق الذي يعلق بأصابعه ، فعليه الفدية ; لأنه مستعمل للطيب . وإن مس ما لا يعلق بيده ، كالمسك غير المسحوق ، وقطع الكافور ، والعنبر ، فلا فدية ; لأنه غير مستعمل للطيب . فإن شمه ، فعليه الفدية ; لأنه يستعمل هكذا . وإن شم العود ، فلا فدية عليه ; لأنه لا يتطيب به هكذا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث