الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها

وكذلك أي فعلنا بهم ذلك الأمر العظيم من الربط على قلوبهم، والستر لأخبارهم والحماية من الظالمين والحفظ لأجسامهم على مر الزمان، وتعاقب الحدثان، ومثل ما فعلنا بهم ذلك أعثرنا أي أظهرنا إظهارا اضطراريا، أهل البلد وأطلعناهم، وأصله أن الغافل عن الشيء ينظر إليه إذا عثر به نظر إليه فيعرفه، فكان العثار سببا لعلمه به فأطلق اسم السبب على المسبب عليهم ليعلموا أي أهل البلد بعد أن كان حصل لبعضهم شك في حشر [الأجساد -] لأن اعتقاد اليهود والنصارى أن البعث إنما هو للروح فقط أن وعد الله الذي له صفات الكمال بالبعث للروح والجسد معا [ ص: 40 ] حق لأن قيامهم بعد نومهم نيفا وثلاثمائة سنة مع خرق العادة بحفظ أبدانهم عن الفناء من غير أكل ولا شرب مثل قيام من مات بجسمه الذي كان سواء على أن مطلق النوم دال على ذلك كما قال بعض العارفين "علمك باليقظة بعد النوم علم بالبعث بعد الموت، والبرزخ واحد غير أن للروح بالجسم في النوم تعلقا لا يكون بالموت، وتستيقظ على ما نمت عليه كذلك تبعث على ما مت عليه" .

ولما كان من الحق ما قد يداخله شك قال تعالى: وأن أي وليعلموا أن الساعة لا ريب فيها مبينا أنها ليست موضع شك أصلا لما قام عليها من أدلة العقل، المؤيد في كل عصر بقواطع النقل، ومن طالع تفسير "الزيتون" من كتابي هذا حصل له هذا ذوقا; ثم بين أن هذا الإعثار أتاهم بعلم نافع حال تجاذب وتنازع فقال: إذ أي ليعلموا ذلك، وأعثرنا حين يتنازعون أي أهل المدينة.

ولما كان التنازع في الغالب إنما يكون ما بين الأجانب، وكان تنازع هؤلاء مقصورا عليهم كان الأهم بيان محله فقدمه فقال تعالى: بينهم أمرهم أي أمر أنفسهم في الحشر فقائل يقول: تحشر الأرواح مجردة، وقائل يقول: بأجسادها، أو أمر الفتية فقائل يقول: ناس صالحون، وناس يقولون: لا ندري من أمرهم غير أن الله تعالى [ ص: 41 ] أراد هدايتنا بهم فقالوا أي فتسبب عن هذا الإعثار أو التنازع أن قال أكثرهم: ابنوا عليهم على كل حال بنيانا يحفظهم، واتركوا التنازع فيهم، ثم عللوا ذلك بقولهم: ربهم أي المحسن إليهم بهدايتهم وحفظهم وهداية الناس بهم أعلم بهم إن كانوا صالحين أو لا، وأما أنتم فلا طريق لكم إلى علم ذلك; ثم استأنف على طريق الجواب لمن كأنه قال: ماذا فعلوا؟ فقال: قال الذين غلبوا على أي وقع أن كانوا غالبين على أمرهم أي ظهروا [عليه -] وعلموا أنهم ناس صالحون فروا بدينهم من الكفار وضعف من ينازعهم; ويجوز - وهو أحسن - أن يكون الضمير لأهل البلد أو للغالبين أنفسهم، إشارة إلى أن الرؤساء منهم وأهل القوة كانوا أصلحهم [إيماء -] إلى أن الله تعالى أصلح بهم [أهل -] ذلك الزمان لنتخذن عليهم ذلك البنيان الذي اتفقنا عليه مسجدا وهذا دليل على أنهم حين ظهروا عليهم وكلموهم أماتهم الله بعد أن علموا أن لهم مدة طويلة لا يعيش مثلها أحد في ذلك الزمان، وقبل أن يستقصوا جميع أمرهم، وفي قصتهم ترغيب في الهجرة.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث