الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما جاء لا يقتل مسلم بكافر والتشديد في قتل الذمي وما جاء في الحر بالعبد

جزء التالي صفحة
السابق

باب ما جاء لا يقتل مسلم بكافر والتشديد في قتل الذمي وما جاء في الحر بالعبد 3000 - ( عن أبي جحيفة قال : قلت لعلي : هل عندكم شيء من الوحي ما ليس [ ص: 14 ] في القرآن ؟ فقال : لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهما يعطيه الله رجلا في القرآن وما في هذه الصحيفة قلت : وما في هذه الصحيفة ؟ قال : العقل وفكاك الأسير وأن لا يقتل مسلم بكافر رواه أحمد والبخاري والنسائي وأبو داود والترمذي )

3001 - وعن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { المؤمنون تتكافأ دماؤهم وهم يد على من سواهم ويسعى بذمتهم أدناهم ألا لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده } رواه أحمد والنسائي وأبو داود وهو حجة في أخذ الحر بالعبد

3002 - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى أن { لا يقتل مسلم بكافر } رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وفي لفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده } رواه أحمد وأبو داود حديث علي الآخر أخرجه أيضا الحاكم وصححه .

التالي السابق


وحديث عمرو بن شعيب سكت عنه أبو داود والمنذري وصاحب التلخيص ، ورجاله رجال الصحيح إلا عمرو بن شعيب .

وفي الباب عن ابن عمر عند ابن حبان في صحيحه وأشار إليه الترمذي وحسنه .

وعن ابن عباس عند ابن ماجه . وروى الشافعي من حديث عطاء وطاوس ومجاهد والحسن مرسلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم الفتح : { لا يقتل مؤمن بكافر } وروى البيهقي من حديث عمران بن حصين نحو ما في الباب . وكذلك رواه البزار من حديثه . وروى أبو داود والنسائي والبيهقي من حديث عائشة نحوه . وقال الحافظ في الفتح بعد أن ذكر حديث علي الآخر وحديث عمرو بن شعيب وحديث عائشة وابن عباس : إن طرقها كلها ضعيفة إلا الطريق الأولى والثانية ، فإن سند كل منهما حسن انتهى .

وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه " أن مسلما قتل رجلا من أهل الذمة فرفع إلى عثمان فلم يقتله وغلظ عليه الدية " . قال ابن حزم : هذا في غاية الصحة فلا يصح عن أحد من الصحابة شيء غير هذا إلا ما رويناه عن عمر أنه كتب في مثل ذلك أن يقاد به ثم ألحقه كتابا فقال : لا تقتلوه ولكن اعتقلوه . قوله : ( هل عندكم ) الخطاب لعلي ولكنه غلبه على غيره من أهل البيت لحضوره وغيبتهم أو للتعظيم . قال الحافظ : وإنما سأله أبو جحيفة عن ذلك لأن جماعة من الشيعة كانوا يزعمون أن لأهل البيت لا سيما [ ص: 15 ] علي اختصاصا بشيء من الوحي لم يطلع عليه غيرهم ، وقد سأل عليا عن هذه المسألة قيس بن عبادة والأشتر النخعي . قال : والظاهر أن المسئول عنه هنا ما يتعلق بالأحكام الشرعية من الوحي الشامل للكتاب والسنة ، فإن الله سبحانه وتعالى سماها وحيا ، إذ فسر قوله تعالى: { وما ينطق عن الهوى } بما هو أعم من القرآن . ويدل على ذلك قوله " وما في هذه الصحيفة " فإن المذكور فيها ليس من القرآن بل من أحكام السنة .

وقد أخرج أحمد والبيهقي أن عليا كان يأمر بالأمر فيقال : قد فعلناه ، فيقول : صدق الله ورسوله فلا يلزم منه نفي ما ينسب إلى علي من علم الجفر ونحوه ، أو يقال هو مندرج تحت قوله : " إلا فهما يعطيه الله تعالى رجلا في القرآن " فإنه ينسب إلى كثير ممن فتح الله عليه بأنواع العلوم أنه يستنبط ذلك من القرآن . ومما يدل على اختصاص علي بشيء من الأسرار دون غيره ، حديث المخدج المقتول من الخوارج يوم النهروان كما في صحيح مسلم وسنن أبي داود ، فإنه قال يومئذ " التمسوا فيهم المخدج " يعني في القتلى فلم يجدوه ، فقام الإمام علي بنفسه حتى أتى أناسا قد قتل بعضهم على بعض ، فقال : أخرجوهم ، فوجدوه مما يلي الأرض ، فكبر وقال : صدق الله وبلغ رسوله ، فقام إليه عبيدة السلماني فقال : يا أمير المؤمنين والله الذي لا إله إلا هو لقد سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : " إي والله الذي لا إله إلا هو ، حتى استحلفه ثلاثا وهو يحلف " والمخدج المذكور هو ذو الثدية ، وكان في يده مثل ثدي المرأة على رأسه حلمة مثل حلمة الثدي عليه شعرات مثل سبالة السنور .

قوله : ( إلا فهما ) هكذا في رواية بالنصب على الاستثناء .

وفي رواية بالرفع على البدل ، والفهم بمعنى المفهوم من لفظ القرآن أو معناه قوله : ( وما في هذه الصحيفة ) أي الورقة المكتوبة ، والعقل : الدية ، وسميت بذلك لأنهم كانوا يعطون الإبل ويربطونها بفناء دار المقتول بالعقال وهو الحبل .

وفي رواية " الديات " أي تفصيل أحكامها قوله : ( وفكاك الأسير ) بكسر الفاء وفتحها : أي أحكام تخليص الأسير من يد العدو والترغيب فيه قوله : ( وأن لا يقتل مسلم بكافر ) فيه دليل على أن المسلم لا يقاد بالكافر ، أما الكافر الحربي فذلك إجماع كما حكاه صاحب البحر ، وأما الذمي فذهب إليه الجمهور لصدق اسم الكافر عليه . وذهب الشعبي والنخعي وأبو حنيفة وأصحابه إلى أنه يقتل المسلم بالذمي .

واستدلوا بقوله في حديث علي وعمرو بن شعيب " ولا ذو عهد في عهده " ووجهه أنه معطوف على قوله " مؤمن " فيكون التقدير : ولا ذو عهد في عهده بكافر كما في المعطوف عليه ، والمراد بالكافر المذكور في المعطوف هو الحربي فقط بدليل جعله مقابلا للمعاهد ، لأن المعاهد يقتل بمن كان معاهدا مثله من الذميين إجماعا فيلزم أن يقيد الكافر في المعطوف عليه بالحربي كما قيد في المعطوف ، لأن الصفة بعد متعدد ترجع إلى [ ص: 16 ] الجميع اتفاقا ، فيكون التقدير : لا يقتل مؤمن بكافر حربي ولا ذو عهد في عهده بكافر حربي ، وهو يدل بمفهومه على أن المسلم يقتل بالكافر الذمي . ويجاب أولا بأن هذا مفهوم صفة ، والخلاف في العمل به مشهور بين أئمة الأصول . ومن جملة القائلين بعدم العمل به الحنفية فكيف يصح احتجاجهم به . وثانيا بأن الجملة المعطوفة ، أعني قوله " ولا ذو عهد في عهده " لمجرد النهي عن قتل المعاهد فلا تقدير فيها أصلا . ورد بأن الحديث مسوق لبيان القصاص لا للنهي عن القتل ، فإن تحريم قتل المعاهد معلوم من ضرورة أخلاق الجاهلية فضلا عن الإسلام .

وأجيب عن هذا الرد بأن الأحكام الشرعية إنما تعرف من كلام الشارع ، وكون تحريم قتل المعاهد معلوما من أخلاق الجاهلية لا يستلزم معلوميته في شريعة الإسلام كيف والأحكام الشرعية جاءت بخلاف القواعد الجاهلية ، فلا بد من معرفة أن الشريعة الإسلامية قررته . ويؤيد ذلك أن السبب في خطبته صلى الله عليه وسلم يوم الفتح بقوله " لا يقتل مسلم بكافر " ما ذكره الشافعي في الأم حيث قال : وخطبته يوم الفتح كانت بسبب القتيل الذي قتلته خزاعة وكان له عهد ، فخطب النبي صلى الله عليه وسلم فقال : { لو قتلت مسلما بكافر لقتلته به وقال : لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده } فأشار بقوله : " لا يقتل مسلم بكافر " إلى تركه الاقتصاص من الخزاعي بالمعاهد الذي قتله ، وبقوله : " ولا ذو عهد في عهده " إلى النهي عن الإقدام على ما فعله القاتل المذكور ، فيكون قوله : " ولا ذو عهد في عهده " كلاما تاما لا يحتاج إلى تقدير ولا سيما وقد تقرر أن التقدير خلاف الأصل فلا يصار إليه إلا لضرورة ولا ضرورة كما قررناه .

ويجاب ثالثا بأن الصحيح المعلوم من كلام المحققين من النحاة وهو الذي نص عليه الرضي أنه لا يلزم اشتراك المعطوف والمعطوف عليه إلا في الحكم الذي لأجله وقع العطف وهو هنا النهي عن القتل مطلقا من غير نظر إلى كونه قصاصا أو غير قصاص فلا يستلزم كون إحدى الجملتين في القصاص أن تكون الأخرى مثلها حتى يثبت ذلك التقدير المدعى . وأيضا تخصيص العموم بتقدير ما أضمر في المعطوف ممنوع لو سلمنا صحة التقدير المتنازع فيه كما صرح بذلك صاحب المنهاج وغيره من أهل الأصول . ومن جملة ما احتج به القائلون بأنه يقتل المسلم بالذمي عموم قوله تعالى: { النفس بالنفس } .

ويجاب بأنه مخصص بأحاديث الباب . ومن أدلتهم ما أخرجه البيهقي من حديث عبد الرحمن بن البيلماني : { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل مسلما بمعاهد وقال : أنا أكرم من وفى بذمته } . وأجيب عنه بأنه مرسل ، ولا تثبت بمثله حجة وبأن ابن البيلماني المذكور ضعيف لا تقوم به حجة إذا وصل الحديث فكيف إذا أرسله كما قال الدارقطني . قال أبو عبيد القاسم بن سلام : هذا حديث ليس بمسند ولا يجعل مثله إماما تسفك به دماء المسلمين ، وأما ما وقع في رواية عمار بن مطر عن [ ص: 17 ] ابن البيلماني عن ابن عمر فقال البيهقي : هو خطأ من وجهين : أحدهما وصله بذكر ابن عمر ، والآخر أنه رواه عن إبراهيم عن ربيعة ، وإنما رواه إبراهيم عن ابن المنكدر ، والحمل فيه على عمار بن مطر الرهاوي فقد كان يقلب الأسانيد ويسرق الأحاديث حتى كثر ذلك في رواياته وسقط عن حد الاحتجاج به .

وروي عن البيهقي أنه قال : لم يسنده غير ابن أبي يحيى ، يعني إبراهيم المذكور . وقد ذكرنا في غير موضع من هذا الشرح أنه لا يحتج بمثله لكونه ضعيفا جدا . وقد قال علي بن المديني : إن هذا الحديث إنما يدور على إبراهيم بن أبي يحيى ، وقيل : إن كلام ابن المديني هذا غير مسلم ، فإن أبا داود قد أخرجه في المراسيل ، وكذلك الطحاوي من طريق سليمان بن بلال عن ربيعة عن ابن البيلماني ، فلم يكن دائرا على إبراهيم . ويجاب بأن ابن المديني إنما أراد أن الحديث المسند بذكر ابن عمر يدور على إبراهيم بن أبي يحيى فقط . ولم يرد أن المسند والمرسل يدوران عليه فلا استدراك . وقد أجاب الشافعي في الأم عن حديث ابن البيلماني المذكور بأنه كان في قصة المستأمن الذي قتله عمرو بن أمية ، فلو ثبت لكان منسوخا ، لأن حديث : { لا يقتل مسلم بكافر } خطب به النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح كما في رواية عمرو بن شعيب ، وقصة عمرو بن أمية متقدمة على ذلك بزمان .

واستدلوا بما أخرجه الطبراني " أن عليا أتي برجل من المسلمين قتل رجلا من أهل الذمة ، فقامت عليه البينة ، فأمر بقتله ، فجاء أخوه فقال : إني قد عفوت ، قال : فلعلهم هددوك وفرقوك وقرعوك ، قال : لا ، ولكن قتله لا يرد علي أخي وعرضوا لي ورضيت ، قال : أنت أعلم ، من كان له ذمتنا فدمه كدمنا وديته كديتنا " وهذا مع كونه قول صحابي ففي إسناده أبو الجنوب الأسدي وهو ضعيف الحديث كما قال الدارقطني . وقد روى علي رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم { أنه لا يقتل مسلم بكافر } كما في حديث الباب والحجة إنما هي في روايته .

وروي عن الشافعي في هذه القضية أنه قال : ما دلكم أن عليا يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم شيئا ويقول بخلافه ؟ . واستدلوا أيضا بما رواه البيهقي عن عمر في مسلم قتل معاهدا فقال : إن كانت طيرة في غضب فعلى القاتل أربعة آلاف ، وإن كان القاتل لصا عاديا فيقتل . ويجاب عن هذا أولا : بأنه قول صحابي ولا حجة فيه .

وثانيا : بأنه لا دلالة فيه على محل النزاع لأنه رتب القتل على كون القاتل لصا عاديا ، وذلك خارج عن محل النزاع ، وأسقط القصاص عن القاتل في غضب وذلك غير مسقط لو كان القصاص واجبا . وثالثا : بأنه قال الشافعي في القصص المروية عن عمر في القتل بالمعاهد إنه لا يعمل بحرف منها ، لأن جميعها منقطعات أو ضعاف أو تجمع الانقطاع والضعف . وقد تمسك بما روي عن عمر مما ذكرنا مالك والليث فقالا : يقتل المسلم بالذمي إذا قتله غيلة . قال : والغيلة أن يضجعه فيذبحه ، ولا [ ص: 18 ] متمسك لهما في ذلك لما عرفت إذا تقرر هذا علم أن الحق ما ذهب إليه الجمهور ، ويؤيده قوله تعالى: { ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا } ولو كان للكافر أن يقتص من المسلم لكان في ذلك أعظم سبيل ، وقد نفى الله تعالى أن يكون له عليه السبيل نفيا مؤكدا .

وقوله تعالى: { لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة } ووجهه أن الفعل الواقع في سياق النفي يتضمن النكرة فهو في قوة لا استواء فيعم كل أمر من الأمور إلا ما خص ، ويؤيد ذلك أيضا قصة اليهودي الذي لطمه المسلم لما قال : لا والذي اصطفى موسى على البشر ، فلطمه المسلم ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يثبت له القصاص كما في الصحيح وهو حجة على الكوفيين لأنهم يثبتون القصاص باللطمة . ومن ذلك حديث : { الإسلام يعلو ولا يعلى عليه } وهو وإن كان فيه مقال لكنه قد علقه البخاري في صحيحه . قوله : { المؤمنون تتكافأ دماؤهم } أي تتساوى في القصاص والديات . والكفء : النظير والمساوي ، ومنه الكفاءة في النكاح ، والمراد أنه لا فرق بين الشريف والوضيع في الدم بخلاف ما كان عليه أمر الجاهلية من المفاضلة وعدم المساواة . قوله : { وهم يد على من سواهم } أي هم مجتمعون على أعدائهم لا يسعهم التخاذل بل يعاون بعضهم بعضا .

قوله : { ويسعى بذمتهم أدناهم } يعني إذا أمن المسلم حربيا كان أمانه أمانا من جميع المسلمين ولو كان ذلك المسلم امرأة بشرط أن يكون مكلفا فيحرم النكث من أحدهم بعد أمانه .

3003 - وعن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عاما } رواه أحمد والبخاري والنسائي وابن ماجه

3004 - وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { ألا من قتل نفسا معاهدة لها ذمة الله وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم فقد أخفر ذمة الله ولا يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين خريفا } رواه ابن ماجه والترمذي وصححه حديث أبي هريرة قال الترمذي بعد أن قال إنه حسن صحيح : إنه قد روي عن أبي هريرة من غير وجه مرفوعا قوله : ( معاهدا ) المعاهد هو الرجل من أهل دار الحرب يدخل إلى دار الإسلام بأمان فيحرم على المسلمين قتله بلا خلاف بين أهل الإسلام حتى [ ص: 19 ] يرجع إلى مأمنه .

ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى: { وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه } . قوله : ( لم يرح رائحة الجنة ) بفتح الأول من يرح وأصله راح الشيء : أي وجد ريحه ، ولم يرحه : أي لم يجد ريحه ، ورائحة الجنة نسيمها الطيب ، وهذا كناية عن عدم دخول من قتل معاهدا الجنة ، لأنه إذا لم يشم نسيمها وهو يوجد من مسيرة أربعين عاما لم يدخلها . قوله : ( فقد أخفر ذمة الله ) بالخاء والفاء والراء : أي نقض عهده وغدر . والحديثان اشتملا على تشديد الوعيد على قاتل المعاهد لدلالتهما على تخليده في النار وعدم خروجه عنها وتحريم الجنة عليه مع أنه قد وقع الخلاف بين أهل العلم في قاتل المسلم هل يخلد فيها أم يخرج عنها ، فمن قال : إنه يخلد تمسك بقوله تعالى : { ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها } الآية ، ومن قال بعدم تخليده على الدوام قال : الخلود في اللغة : اللبث الطويل ولا يدل على الدوام ، وسيأتي الكلام عليه .

وأما قاتل المعاهد فالحديثان مصرحان بأنه لا يجد رائحة الجنة وذلك مستلزم لعدم دخولها أبدا ، وهذان الحديثان وأمثالهما ينبغي أن يخصص بهما عموم الأحاديث القاضية بخروج الموحدين من النار ودخولهم الجنة بعد ذلك . وقال في الفتح : إن المراد بهذا النفي وإن كان عاما التخصيص بزمان ما لتعاضد الأدلة العقلية والنقلية أن من مات مسلما وكان من أهل الكبائر فهو محكوم بإسلامه غير مخلد في النار ومآله إلى الجنة ولو عذب قبل ذلك انتهى . وقد ثبت في الترمذي من حديث أبي هريرة بلفظ : { سبعين خريفا } ومثله روي عن أحمد عن رجل من الصحابة ، وفي رواية للطبراني من حديث أبي هريرة بلفظ : { مائة عام } وفي أخرى له عن أبي بكرة بلفظ : { خمسمائة عام } ومثله في الموطإ .

وفي رواية في مسند الفردوس من حديث جابر بلفظ : { ألف عام } وقد جمع صاحب الفتح بين هذه الأحاديث .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث