الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب فيمن قال إن المطلقة البائن لا نفقة لها ولا سكنى

جزء التالي صفحة
السابق

2709 (7) باب

فيمن قال: إن المطلقة البائن لا نفقة لها ولا سكنى

[ 1550 ] عن فاطمة بنت قيس: أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة وهو غائب، فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته. فقال: والله ما لك علينا من شيء، فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرت ذلك له، فقال: ليس لك نفقة، فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك، ثم قال: تلك امرأة يغشاها أصحابي، اعتدي عند ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى، تضعين ثيابك ولا يراك، فإذا حللت فآذنيني قالت: فلما حللت ذكرت له: أن معاوية بن أبي سفيان، وأبا جهم خطباني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما أبو الجهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، انكحي أسامة بن زيد" فكرهت، ثم قال: "انكحي أسامة"، فنكحته فجعل الله فيه خيرا، واغتبطت.

وفي رواية: فقال: "لا نفقة لك ولا سكنى".

وفي أخرى: أنه طلقها ثلاثا، وأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: فهل لها من نفقة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "ليست لها نفقة، وعليها العدة".


رواه أحمد ( 6 \ 412 )، ومسلم (1480) (36 و 37 و 38)، وأبو داود (2285 - 2289)، والترمذي (1180)، والنسائي (6 \ 74 ).

التالي السابق


(7) ومن باب: فيمن قال: إن المطلقة البائن لا نفقة لها ولا سكنى

(قوله: عن فاطمة بنت قيس : أن أبا عمرو بن حفص ) هكذا رواية أكثر الأئمة الحفاظ: مالك وغيره. وقد قلبه شيبان ، وأبان العطار ، عن يحيى بن أبي كثير ؛ فقال: إن أبا حفص بن عمرو . والمحفوظ الأول. واسمه: أحمد ؛ على ما ذكره الداودي عن النسائي . قال القاضي : والأشهر: عبد الحميد . وقيل: اسمه كنيته، ولا يعرف في الصحابة من اسمه أحمد سواه.

و (قوله: طلقها البتة ) هذا هو الصحيح: أنه طلقها عند جميع الحفاظ.

[ ص: 267 ] وسيأتي في حديث الجساسة لفظ يوهم: أنه مات عنها. وله تأويل يأتي في موضعه إن شاء الله تعالى، ويعني بالبتة: آخر الثلاث تطليقات، كما جاء مفسرا في الرواية الأخرى. لا أنه أوقع عليها لفظ البتة، وإنما سمى آخر الثلاث: البتة؛ لأنها طلقة تبت العصمة، ولا تبقي منها شيئا. ولما كملت بهذه الطلقة الثلاث عبر عنها بعض الرواة بالثلاث. والرواية المفصلة قاضية على غيرها، وهي الصحيحة.

و (قوله: فأرسل إليها وكيله بشعير، فسخطته ) كان صوابه أن يقول: وكيليه؛ لأنهما الحارث بن هشام ، وعياش بن ربيعة ؛ كما جاء مفسرا في الرواية الأخرى.

وفيه دليل على العمل بالوكالة، وشهرتها عندهم. وكأن إرساله بهذا الشعير كان منه متعة، فحسبته هي نفقة واجبة عليه، ولذلك سخطته، ورأت: أنها تستحق عليه أكثر من ذلك وأطيب. فحين تحقق الوكيلان منها ذلك؛ أخبراها بالحكم، فلم تقبل منهما حتى أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها: ( لا نفقة لك ) على ما رواه مالك ، وأكثر الرواة من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن فاطمة ، وعلى ما رواه الزهري ، عن عبيد الله بن عتبة . ولم يذكروا فيها قوله: (ولا سكنى) على أنها رواية مرسلة على ما قاله أبو مسعود .

ولم يرو مالك ، ولا أكثر الأئمة هذه اللفظة في السكنى، وإنما هي من رواية أبي حازم عن أبي سلمة . ومن رواية الشعبي عن فاطمة . وهي التي أنكرها عليه الأسود .

ولأجل اختلاف هذه الطرق، واختلافهم في تأويل قوله تعالى: لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن [الطلاق: 1] اختلفوا في المطلقة البائن، فقال بعضهم: لها السكنى، والنفقة. وهو قول عمر رضي الله عنه وأبي حنيفة [ ص: 268 ] - رحمه الله - ولم يعرجا على حديث فاطمة هذا. ولذلك قال عمر رضي الله عنه: (لا ندع كتاب ربنا لقول امرأة) يعني بذلك: قوله تعالى: لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن ولأنها محبوسة بسبب المطلق، فنفقتها عليه، وكذلك سكناها. وقال آخرون: لا سكنى لها، ولا نفقة. وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما وأحمد متمسكين بانقطاع أسباب الزوجية بينهما، ولقوله: (لا سكنى لك ولا نفقة).

وقال آخرون: لها السكنى ولا نفقة. وهو مذهب مالك متمسكا في إسقاط النفقة بما رواه من قوله صلى الله عليه وسلم: ( لا نفقة لك ). وفي إثبات السكنى بقوله تعالى: لا تخرجوهن من بيوتهن... الآية.

وأما المطلقة الرجعية فلا خلاف في وجوب النفقة والسكنى لها. وأما المتوفى عنها زوجها، فلا خلاف في أنها لا تجب لها نفقة؛ لأن ماله قد انتقل لورثته. واختلفوا في السكنى، فقال مالك : لا سكنى لها، إلا أن تكون رقبة الدار، ومنفعتها ملكا للميت، فهي أحق بالسكنى طول عدتها من ورثته. وقال أبو حنيفة وغيره: لا سكنى لها جملة بغير تفصيل. وعن مالك قولة شاذة نحو هذا. وإليها أشار القاضي أبو الحسن بن القصار ، وقال: هو القياس كالنفقة.

و (قولها: فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك ) لا خلاف في أن كل زوجة مدخول بها طلقها زوجها يجب عليها العدة، ثم هي - أعني: العدة - منقسمة بحسب أحوالهن: فالحامل عدتها وضع حملها. والحائل إن كانت حرة: ثلاثة أقراء. وإن لم تكن من ذوات الأقراء: فثلاثة أشهر. وأما الأمة: فقرءان، أو شهران، ويجري الفسخ بغير طلاق مجرى الطلاق.

وأما المتوفى عنها زوجها: فالحرة تعتد أربعة أشهر وعشرا. والأمة: شهران [ ص: 269 ] وخمس ليال عندنا، وسيأتي بعض ذلك. وتفصيله في كتب الفقه.

وأم شريك اسمها: غزية . وقيل: غزيلة . وهي قرشية عامرية. وقد ذكرها بعضهم في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: فيها: إنها أنصارية، على ما ذكره مسلم في حديث الجساسة، وسيأتي. وكانت كثيرة المعروف، والنفقة في سبيل الله تعالى، والتضييف للغرباء من المهاجرين وغيرهم. ولذلك قال: (تلك امرأة يغشاها أصحابي رضي الله عنها).

وإنما أذن النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة أن تخرج من البيت الذي طلقت فيه؛ لما ذكره مسلم في الرواية الأخرى من أنها خافت على نفسها من عورة منزلها.

وفيه دليل: على أن المعتدة تنتقل لأجل الضرر. وهذا أولى من قول من قال: إنها كانت لسنة تؤذي زوجها وأحماءها بلسانها؛ فإن هذه الصفة لا تليق بمن اختارها رسول الله صلى الله عليه وسلم لحبه ابن حبه. وتواردت رغبات الصحابة عليها حين انقضت عدتها، ولو كانت على مثل تلك الحال لكان ينبغي ألا يرغب فيها، ولا يحرص عليها. أيضا: فلم يثبت بذلك نقل مسند صحيح. وإنما الذي تمسك به في ذلك قول عائشة : ما لفاطمة خير أن تذكر هذا.

وقول عمر : (لا ندع كتاب الله لقول امرأة لا نعلم حفظت أو نسيت). وقول بعضهم: تلك امرأة فتنت الناس. وليس في شيء من ذلك دليل على ذلك. ويا للعجب ! كيف يجترئ ذو دين أن يقدم على غيبة مثل هذه الصحابية؛ [ ص: 270 ] التي اختارها النبي صلى الله عليه وسلم لحبه ابن حبه، لسبب خبر لم يثبت. وأعجب من ذلك قول بعض المفسرين في قوله تعالى: ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة إنها نزلت في فاطمة ؛ لأنها كانت فيها بذاذة لسان، وأذى للأحماء. وهذا لم يثبت فيه نقل، ولا يدل عليه نظر. فذكر ذلك عنها، ونسبته إليها غيبة، أو بهتان.

وأحسن ما قيل في التفسير؛ قول ابن عمر رضي الله عنهما: إن الفاحشة: الزنا. فيخرجن لإقامة الحد عليهن؛ وتعليله منع اعتدادها في بيت أم شريك بدخول أصحابه؛ دليل على أن المرأة ممنوعة من التعرض لموضع يشق عليها فيه التحرز من أن يطلع منها على ما لا يجوز.

و (قوله: اعتدي عند ابن أم مكتوم ) وفي رواية في "الأم": (عند ابن عمك عمرو بن أم مكتوم ) وكذلك جاء في آخر الكتاب. وزاد: (رجل من بني فهر ، من البطن الذي هي منه. والمعروف خلاف هذا، وليسا من بطن واحد. هي من بني محارب بن فهر . وهو من بني عامر بن لؤي .

واختلفوا في اسم ابن أم مكتوم . فقيل: عمرو ، كما ذكر. وقيل: عبد الله . وكذا ذكره في "الموطأ"، وفي آخر الكتاب. والخلاف في ذلك كثير، قاله القاضي أبو الفضل عياض .

و (قوله: فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده) فيه دليل: على أن المرأة يجوز لها أن تطلع من الرجل على ما لا يجوز للرجل أن يطلع عليه من المرأة، كالرأس، ومعلق القرط، ونحو ذلك. فأما العورة فلا. ولكن هذا يعارضه ما ذكره الترمذي من قول النبي صلى الله عليه وسلم لميمونة وأم سلمة - وقد دخل عليهما ابن أم مكتوم - فقال: (احتجبا منه) فقالتا: إنه أعمى ! ! قال: (أفعمياوان أنتما؟ ! ألستما تبصرانه؟ !) . والجواب من وجهين:

[ ص: 271 ] أحدهما: أن هذا الحديث لا يصح عند أهل النقل؛ لأن راويه عن أم سلمة نبهان مولاها. وهو ممن لا يحتج بحديثه.

وثانيهما: - على تقدير صحته - فذلك تغليظ منه صلى الله عليه وسلم على أزواجه لحرمتهن، كما غلظ عليهن أمر الحجاب. ولهذا أشار أبو داود ، وغيره من الأئمة.

و (قوله: فإذا حللت فآذنيني ) أي: إذا انقضت عدتك. و (آذنيني): أعلميني. وفي لفظ آخر: (فلا تبدئيني بنفسك) وكل ذلك بمعنى واحد؛ أي: لا تزوجي نفسك حتى تعرفيني. وفيه التعريض في العدة.

و (قولها: فلما حللت ذكرت له: أن معاوية ، وأبا جهم خطباني ) فيه دليل على جواز الخطبة على خطبة الغير، لكن ما لم يقع التراكن؛ على ما قدمناه.

و (قوله: أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه) المعروف: أبو جهم على التكبير، وقد صغره بعضهم، وهو: أبو جهم بن حذيفة القرشي، العدوي . وهو صاحب الأنبجانية. وقد غلط فيه يحيى بن يحيى الأندلسي فقال: أبو جهم بن هشام ، ولا يعرف في الصحابة من اسمه: أبو جهم بن هشام [ ص: 272 ] ولم يوافقه أحد من رواة "الموطأ" على ذلك.

واختلف في معنى قوله: (لا يضع عصاه عن عاتقه) فقيل: معناه: أنه ضراب للنساء، كما جاء مفسرا في الرواية الأخرى. وفي أخرى: (فيه شدة على النساء). وقيل: المراد به: أنه كثير الأسفار. وقد جاء أيضا في بعض رواياته في غير كتاب مسلم ما يدل على ذلك. غير أن التأويل الأول أحسن وأصح.

وفيه ما يدل: على جواز تأديب النساء بالضرب، لكن غير المبرح. ولا خلاف في جواز ذلك على النشوز. وهو الامتناع من الزوج.

قال بعضهم: واختلف في ضربهن على خدمة بيوتهن. وهذا إنما يتمشى على قول من أوجب ذلك عليهن. ولا يعارض هذا قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يجلد أحدكم زوجته جلد العبد ثم يضاجعها) لأن هذا النهي إنما يقتضي المنع من الضرب المبرح الذي لا يجوز. وهو الشديد المفرط. ولا خلاف في منع مثله.

و (قوله: وأما معاوية : فصعلوك لا مال له ) هذا تفسير للرواية التي وقع فيها: ترب. وقد تقدم: أنه يقال: ترب الرجل: إذا افتقر. وأترب: إذا استغنى.

وفيه ما يدل على أن ذكر مساوئ الخاطب ، أو من يعامل، أو من يحتاج إلى قبول قوله، أو فتياه جائز. ولا يعد ذلك غيبة، ولا بهتانا؛ إذ لا يذكر ذلك على جهة التنقيص وإضافة العيب إليه، لكن على جهة التعريف، وأداء النصيحة، وأداء الأمانة، كما فعله أهل الحديث وغيرهم.

و (قوله: ولكن انكحي أسامة ) فيه ما يدل على جواز نكاح المولى [ ص: 273 ] للقرشية؛ فإن أسامة مولى، وفاطمة قرشية، كما تقدم. وإن الكفاءة المعتبرة هي كفاءة الدين، لا النسب، كما هو مذهب مالك .

وقد روى الدارقطني عن حنظلة بن أبي سفيان الجمحي عن أمه قالت: رأيت أخت عبد الرحمن بن عوف تحت بلال .

و (قولها: ( فنكحته، فجعل الله في ذلك خيرا واغتبطت ) كان ذلك منها بعد أن صدر منها توقف، وما يدل على كراهتها لذلك، كما جاء في رواية في "الأم": فقالت بيدها - هكذا - أسامة ، أسامة ! فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (طاعة الله وطاعة رسوله خير لك). قالت: فتزوجته فاغتبطت.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث