الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الشهادة في الولاء

باب الشهادة في الولاء

( قال ) : رضي الله تعالى عنه رجل مات وترك مالا ولا وارث له فادعى رجل أنه وارثه بالولاء ، فشهد له شاهدان أن الميت مولاه ووارثه لا وارث له غيره لم تجز الشهادة حتى يفسرا الولاء ; لأن اسم المولى مشترك قد يكون بمعنى الناصر . قال الله تعالى { : ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا [ ص: 101 ] وأن الكافرين لا مولى لهم } . وقد يكون بمعنى ابن العم قال الله تعالى { : وإني خفت الموالي من ورائي } . وقد يكون بالعتق ، وقد يكون بالموالاة ، فما لم يفسروا لم يتمكن القاضي من القضاء بشيء ، وكذا لو شهدا أن الميت مولى هذا مولى عتاقة ; لأن اسم المولى العتاقة يتناول الأعلى ويتناول الأسفل ، فلا يدري القاضي بأي الأمرين يقضي ، وأيهما كان أعتق صاحبه ( فإن قيل ) : هذا الاحتمال يزول بقولهما ووارثه فإن الأسفل لا يرث من الأعلى ، وإنما يرث الأعلى من الأسفل ( قلنا ) : بهذا لا يزول الاحتمال فمن الناس من يرى توريث الأسفل من الأعلى ، وهو باطل عندنا ، ولعل الشاهدين اعتقدا ذلك وقصدا به التلبيس على القاضي يعلمهما أنهما لو فسرا لم يقبض القاضي له بالميراث ثم قد يكون مولى عتاقة له بإعتاق منه ، وبإعتاق من أبيه أو بعض أقاربه ، وبين الناس كلام في الإرث بمثل هذا الولاء يختص به العصبة ، أم يكون بين جميع الورثة ، فلهذا لا يقضي بشهادتهما ما لم يفسرا فإن شهدا أن هذا الحي أعتق هذا الميت وهو يملكه وهو وارثه لا يعلمون له وارثا سواه جازت الشهادة ; لأنهم فسروا ما شهدوا به على وجه لم يبق فيه تهمة التلبيس ، ويستوي في هذا الشهادة على الشهادة وشهادة الرجال مع النساء لأنهم يشهدون بسبب استحقاق المال فهو بمنزلة شهادتهم على النسب .

وإن لم يشهدوا أنه وارثه لم يرث منه شيئا ; لأن استحقاق الإرث بولاء العتاقة مقيد بشرط وهو أن لا يكون للميت عصبة نسبا ولا يثبت ذلك الشرط إلا بشهادتهم وقولهم : لا نعلم له وارثا غيره ليس بشهادة إنما شهادة على ما يعلمون وكما أنهم لا يعلمون فالقاضي لا يعلم ، فعرفنا أن هذا ليس هو المشهود به . فلا بد من أن يشهدوا أنه وارثه وكذلك إن شهدوا على عتق كان من أبيه ، وفسروا على وجه يثبت وراثته منه فإن قالا لم ندرك أباه هذا المعتق ، ولكنا قد علمنا هذا ، لم تجز شهادتهما على هذا إما على قول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله تعالى - فلأنهما لا يجوزان الشهادة على الولاء بالتسامع ، وأما أبو يوسف رحمه الله تعالى يجوز ذلك . ولكن إذا أطلقا الشهادة عند القاضي فأما إذا بينا أنهما لم يدركا ، وإنما يشهدان بالتسامع فالقاضي لا يقبل ذلك ، وبيان هذا في كتاب الشهادات ، ولو أقام المدعي شاهدين أنه أعتق أم هذا الميت ، وأنها ولدته بعد ذلك بمدة من عبد فلان ، وأن أباه مات عبدا أو ماتت أمه ، ثم مات وهو وارثه فقد فسروا الأمر على وجهه ، فإن القاضي يقضي له بالميراث ( قال ) : فإن أقام رجل البينة أنه كان أعتق أباه قبل أن يموت وهو يملكه ، وأنه وارثه فإنه يقضي له بالميراث ; لأنه أثبت [ ص: 102 ] سبب جر الولاء إليه ، وهو عتق الأب فتبين أن القاضي أخطأ في قضائه بالميراث لموالي الأم ، وكذلك هذا في ولاء الموالاة إذا أثبت الثاني خطأ القاضي في القضاء به للأول ، فإنه يبطل ما قضى به ، ويكون الثابت بالبينة كالثابت بإقرار الخصم أو بالمعاينة ، ولو ادعى رجلان ولاء ميت بالعتق وأقام كل واحد منهما البينة جعلت ميراثه بينهما لاستوائهما في سبب الاستحقاق ; ولأنه لا يبعد إرث رجلين بالولاء من واحد كما لو أعتقا عبدا بينهما ، والبينات حجج فيجب العمل بها بحسب الإمكان .

فإن وقتت كل واحدة من البينتين وقتا وكان أحدهما سابقا ، فهو أولى لأنه أثبت الولاء لنفسه في وقت لا ينازعه الغير فيه ، فهو كالنسب إذا أقام رجلان البينة عليه وأحدهما أسبق تاريخا ; ولأنه بعدما ثبت العتق من الأول في الوقت الذي أرخ شهوده لا يتصور ملك الثاني فيه حتى يعتقه ، فتبين بشهادة الذين أرخوا تاريخا سابقا بطلان شهادة الفريق الثاني ، وإن كان ذلك في ولاء الموالاة ، فصاحب العقد الآخر أولى ; لأنه بعد عقد الموالاة مع الأول يتحقق منه العقد مع الثاني ، ويكون ذلك نقضا للولاء الأول فشهود الآخر أثبتوا بشهادتهم ما يفسخ الولاء ، فالقضاء بشهادتهم أولى إلا أن يشهد شهود صاحب الوقت الأول أنه كان عقل عنه فحينئذ قد تأكد ولاؤه ، ولا ينتقض بالعقد مع الآخر ، بل يبطل الثاني ويبقى الأول بحاله ; فلهذا كان الأول أولى ، وإن أقام رجل البينة أنه أعتقه وهو يملكه وقضى له القاضي بولائه وميراثه ، ثم أقام آخر البينة على مثل ذلك لم يقبل القاضي ذلك كما في النسب إذا ترجح أحد المدعيين بتقدم القضاء من القاضي ببينته ، لم تقبل البينة من الآخر بعد ذلك وهذا ; لأن القاضي يعلم كذب أحد الفريقين ، وقد تأكدت شهادة الفريق الأول بانضمام القضاء إليها فإنما يحال بالكذب على شهادة الفريق الثاني ، إلا أن يشهدوا أنه كان اشتراه من الأول قبل أن يعتقه ، ثم أعتقه وهو يملكه ، فحينئذ يقضي القاضي له بالميراث ، ويبطل قضاؤه للأول ; لأنهم أثبتوا سبب كونه مخطئا في القضاء الأول وهو أن الأول لم يكن مالكا حين أعتقه ; لأن الثاني كان اشتراه منه قبل ذلك .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث