الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في قسمة المنافع

جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) :

هذا الذي ذكرنا قسمة الأعيان .

( وأما ) قسمة المنافع فهي المسماة بالمهايئات ، والكلام فيها في مواضع في بيان أنواع المهايئات وما يجوز منها وما لا يجوز ، وفي بيان محل المهايئات وفي بيان صفة المهايئات وفي بيان ما يملك كل واحد من الشريكين من التصرف بعد المهايئات وما لا يملك .

( أما ) الأول فالمهايئات نوعان : نوع يرجع إلى المكان ونوع يرجع إلى الزمان .

( أما ) النوع الأول فهو أن يتهايآ في دار واحدة على أن يأخذ كل واحد منهما طائفة منها يسكنها وأنه جائز ; لأن المهايئات قسمة فتعتبر بقسمة العين ، وقسمة العين على هذا الوجه جائزة فكذا قسمة المنافع ، وكذا لو تهايئا على أن يأخذ أحدهما السفل والآخر العلو جاز ذلك ; لما قلنا ، ولا يشترط بيان المدة في هذا النوع ; لأن قسمة المنافع ليست بمبادلة المنفعة ; لأن مبادلة المنفعة بجنسها غير جائزة عندنا ، كإجازة السكنى بالسكنى والخدمة بالخدمة ، وكذلك لو تهايئا في دارين وأخذ كل واحد منهما دارا يسكنها أو يستغلها فهو جائز بالإجماع

( أما ) عند أبي يوسف ومحمد فلا شك فيه ; لأن قسمة الجمع في عين الدور جائزة ، فكذا في المنافع .

( وأما ) أبو حنيفة - رحمه الله - فيحتاج إلى الفرق بين العين وبين المنفعة .

( وجه ) الفرق له أن الدور في حكم أجناس مختلفة ; لتفاحش التفاوت بين دار ودار في نفسها وبنائها وموضعها ، ولا تجوز قسمة الجمع في جنسين مختلفين على ما مر .

( وأما ) التفاوت في المنافع فقل ما يتفاحش بل يتقارب ، فلم تلتحق منافع الدارين بالأجناس المختلفة فجازت القسمة ، وكذلك لو تهايئا في عبدين على الخدمة جاز بالإجماع .

( أما ) عندهما ; فلأن قسمة الجمع في أعيان الرقيق جائزة ، وكذا في منافعها .

( ووجه ) الفرق لأبي حنيفة - رحمه الله - على نحو ما ذكرنا في الدارين ولو تهايئا في عبدين فأخذ كل واحد منهما عبدا يخدمه وشرط كل واحد منهما على نفسه طعام العبد الذي يخدمه ; جاز استحسانا ، والقياس أن لا يجوز .

( ووجهه ) أن طعام كل واحد من العبدين على الشريكين جميعا على المناصفة ، فاشتراط كل الطعام من كل واحد منهما على نفسه يخرج مخرج معاوضة بعض الطعام بالبعض ، وإنها غير جائزة للجهالة .

( ووجه ) الاستحسان أن هذا النوع من الجهالة لا يفضي إلى المنازعة ; لأن مبنى الطعام على المسامحة في العرف والعادة دون المضايقة ، بخلاف ما إذا شرط كل واحد منهما على نفسه كسوة [ ص: 32 ] العبد الذي يخدمه أنه لا يجوز ; لأنه يجري في الكسوة من المضايقة ما لا يجري في الطعام في العرف والعادة ، فكانت الجهالة في الكسوة مفضية إلى المنازعة ، مع ما إن الجهالة في الكسوة تتفاحش بخلاف الطعام ; لذلك افترقا ، والله - تعالى - أعلم .

( وأما ) التهايؤ في الدواب بأن أخذ أحدهما دابة ليركبها والآخر دابة أخرى من جنسها يستغلها ، وشرط الاستغلال فغير جائز عند أبي حنيفة ، وعندهما جائز .

( وجه ) قولهما ظاهر ; لأن قسمة الجمع في أعيان الدواب من جنس واحد جائزة ، فكذا قسمة المنافع ، ولأبي حنيفة الفرق بين المنفعة وبين المنفعة أنه جوز قسمة الجمع في أعيانها ولم يجوز في منافعها .

( ووجه ) الفرق أنها باعتبار أعيانها جنس واحد لكنها في منفعة الركوب في حكم جنسين مختلفين ، بدليل أن من استأجر دابة ليركبها لم يملك أن يؤاجرها للركوب ، ولو فعل لضمن ، فأشبه اختلاف جنس المنفعة اختلاف جنس العين ، واختلاف جنس العين عنده مانع جواز قسمة الجمع ، كذا في المنفعة ، بخلاف المهايئات في الدارين والعبدين أنها جائزة ; لأن هناك المنافع متقاربة غير متفاحشة ، بدليل أن المستأجر فيها يملك الإجارة من غيره فلم يختلف جنس المنفعة فجازت المهايئات .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث