الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في حكم سقوط حد قطع الطريق بعد وجوبه

جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) :

وأما حكم سقوط الحد بعد الوجوب ، وحكم عدم الوجوب لمانع فنقول : - وبالله التوفيق - إذا سقط الحد بعد التوبة قبل أن يقدر عليهم ، فإن كانوا أخذوا المال لا غير ردوه على صاحبه إن كان قائما ، وإن كان هالكا ، أو مستهلكا ; فعليهم الضمان ، وإن كانوا قتلوا لا غير يدفع من قتل منهم بسلاح إلى الأولياء ليقتلوه ، أو يعفوا عنه ، ومن قتل بعصا ، أو حجر فعلى عاقلته الدية لورثة المقتول ، وإن كانوا أخذوا المال ، وقتلوا فحكم أخذ المال ، والقتل عند الاجتماع ما هو حكمهما عند الانفراد وقد ذكرناه ، وإنما كان كذلك ; لأن الحد إذا سقط بالتوبة قبل القدرة صار حكم القتل ، وأخذ المال ، وهلاكه ، واستهلاكه ما هو حكمها في غير قطع الطريق ما قلنا .

وإن كانوا أخذوا المال ، وجرحوا ، أو أخذوا المال ، وقتلوا ، وجرحوا قوما ، أو جرحوا قوما ، ولم يكن منهم أخذ ، ولا قتل فحكم القتل ، والمال ما ذكرنا ، والجراحات فيها القصاص فيما يقدر [ ص: 97 ] فيه على القصاص ، والأرش فيما لا يقدر عليه ; لأن عند سقوط الحد صار كأن الجراحة حصلت من غير قطع الطريق ، ولو كان كذلك كان حكمه ما ذكرنا فكذا هذا ، وكذلك إن قدر عليهم قبل التوبة ، ولم يكن منهم قتل ، ولا أخذ مال قد أخافوا قوما بجراحات يجب القصاص فيما يستطاع فيه الاقتصاص ، والدية فيما لا يستطاع فيودعون السجن ; لأن الحبس وجب عليهم تعزيرا لا حدا .

والتعزير لا تدخل فيه الجراحة ، بخلاف ما إذا قدر عليهم قبل التوبة ، قد قتلوا أو أخذوا المال ، أو جمعوا بينهما ; لأن الواجب فيه الحد فيدخل فيه الجراحة ، وكذلك إذا سقط الحد بالرجوع عن الإقرار ; لأن الرجوع عن الإقرار يصح في حق سقوط الحد ، ولا يصح في حق ضمان المال ، والقصاص فبقي إقراره معتبرا في حقهما .

( وأما ) إذا كان السقوط بتكذيب الحجة من الإقرار ، أو البينة لا شيء عليهم ; لأن سبب الوجوب لم يثبت ; لأن ثبوته بالحجة وقد بطلت أصلا ، ورأسا ، بخلاف الرجوع عن الإقرار ; لأن الأصل أن إقرار المقر حجة في حقه إلا أنه تعذر اعتباره بعد الرجوع في حق الحد درءا للحد بالشبهة فبقي معتبرا في حق ضمان المال ، والقصاص فهو الفرق ، وعلى هذا حكم عدم الوجوب لمانع بأن فات شرط من شرائط وجوب الحد نحو نقصان النصاب بأن كان المأخوذ من المال لا يصيب كل واحد منهم عشرة دراهم أنهم يردونه إن كان قائما .

ويضمنون إن كان هالكا أو مستهلكا ، ومن قتل منهم فإن كان بسلاح فعليه القصاص ، وإن كان بعصا أو حجر فعلى عاقلته الدية ، ومن جرح يقتص منه فيما يمكن القصاص ، وفيما لا يمكن يجب الأرش ; لما ذكرنا أن الحد إذا امتنع وجوبه فقد حصل الأخذ ، والقتل ، والجراحة من غير قطاع الطريق ، وحكمها في غير قطاع الطريق ما قلنا ، وكذلك إذا كان في المحاربين صبي ، أو مجنون حتى امتنع وجوب الحد يدفع كل بالغ عاقل قتل منهم بسلاح إلى الأولياء فيقتلون ، أو يعفون .

وإن كان الذي ولي القتل منهم صبي ، أو مجنون فعلى عاقلته الدية ، وإن قتل بسلاح ; لأن الصبي ، والمجنون ليسا من أهل وجوب القصاص عليهما ، فكان عمدهما خطأ ، وإن كانا أخذا المال ضمنا ; لأنهما من أهل وجوب ضمان المال ، وكذلك إذا امتنع وجوب الحد على القطاع لمعنى من المعاني رجعوا في ذلك إلى حكم غير القطاع ، والله تعالى أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث